2012/06/07


السؤال:
السلام عليكم سيّدي وقرّة عيني ورحمة الله وبركاته زادك الله عزّ وجلّ نورًا وعلمًا وأمدّك بالصحة والعافية.

سؤالي: ما حكم من يبيع أملاكه أو يهبها وهو يحتضر.

لا تنسونا من دعاءكم.

الاسم: محمد البياتي

 

الرد:-


وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله تعالى خيرا على دعواتك الطيبة ولك بمثلها.

إذا بلغت روح المحتضر الحلقوم وصار لا يميز ما حوله كما قال الله جلّ في علاه:-

{كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [سورة القيامة: 26 – 30].

أو أصيب بحادث خطير لا تُرجى نجاته، فلا يجوز له وقتئذ أي تصرف في أمواله باعتباره في حيّز الموت.

أمّا إذا كان في وعيه ولكنّه مريض مرض الموت – سُمِّيَ كذلك لأنّه المرض الذي يكون سببا في موته غالبا – فتصحّ تصرّفاته.

فعن سيّدنا عامر بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال:-

(عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) متفق عليه.

وعن سيّدنا أبي زيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.

ولهذا فقد جعل جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لهبة المريض مرض الموت أحكاما، تختلف عن هبة الصحيح، على التفصيل الآتي:-

1- هبة المريض غير المَدين المقبوضة لأجنبي وليس معه وارث:-

فقد ذهب السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى صحة هذه الهبة، ولو استغرقت كلّ ماله ولا تتوقف على إجازة أحد.

وذهب السادة الشافعية والمالكية رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أنّها تبطل إذا زادت على ثلث مال المريض.

2- هبة المريض غير المَدين المقبوضة لأجنبي ومعه وارث:-

فقد اتفق جمهور الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ على صحّتها بحدود الثلث من مال المريض، كما هو الحال في الوصية، فإنْ زادت على الثلث، فيتوقف القدر الزائد منها على إجازة الورثة، وإلّا بطلت.

3- هبة المريض غير المَدين المقبوضة، لأحد ورثته:-

إنْ لم يكن للمريض وارث سوى الموهوب له، فقد أجازها السادة الحنفية رحمهم الله جلّ في علاه، ولا تتوقف على إجازة أحد، سواء كان الموهوب، أقلّ من الثلث أم أكثر منه.

وإنْ كان له ورثة غير الموهوب له، فقد ذهب جمهور الفقهاء رحمهم الله جلّ جلاله على عدم صحّتها إلّا بإجازة بقيّة الورثة سواء كان الموهوب أقلّ من الثلث، أم أكثر منه. كما هو الحال في الوصية.

هذا شريطة أن لا يكون المريض مدينًا، وإلّا فلا تصحّ إلّا بعد سداد الدين، أو إجازة الدائنين.

أمّا فيما يتعلّق ببيع المريض مرض الموت:-

فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى، على أنَّه إذا باع شيئًا من أعيان ماله لأجنبي بثمن المثل، فبيعه صحيح، حيث أنّه لا يمس حقوق دائنيه وورثته، لوجود البدل.

إمّا إذا كان في البيع محاباة، فقد قال السادة الحنفية رحمهم الله سبحانه:-

إنْ كانت بقدر الثلث وأقلّ صحّ البيع، ولا يتوقف على إجازة أحد، كما هو الحال في الوصية.

أمّا إذا كانت أكثر من الثلث، فتتوقف على إجازة الورثة، وإلّا يخيّر المشتري ما بين دفع قيمة الزيادة للورثة، أو يفسخ البيع ويردّه إلى ورثته.

فإنْ كان المريض مدينًا وليس عنده ما يستغرق مقدار الدّين فكذلك، لا يصحّ البيع إذا كان فيه محاباة إلّا بعد إجازة الدائنين. سواء كان المبيع أقلّ من ثلث مال المريض أم أكثر منه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.