2012/06/12

السؤال:

السلام عليكم شيخي

أنا موظف في وزارة الخارجية، ممكن أنْ أقدِّم على سلفة (5000000) خمسة ملايين علمًا أنّ السلفة مقدّمة من مصرف الرشيد التابع لوزارة الخارجية وبفائدة (750000) سبعمائة وخمسون ألف دينار، تستقطع (96) ألف كلّ شهر.

شيخي الجليل للعلم أنّه عليَّ دَيْن (7000000) سبعة ملايين، بسبب شرائي لقطعة أرض، علمًا أنني أسكن في بيت الوالد حاليًّا.

 

الاسم: أبو آدم

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

لا يجوز الاقتراض بالربا إلّا للضرورة القصوى والتي يقدّرها المسلم صاحب العلاقة ويستفتي قلبه في ذلك، بشرط أنْ يُعدَم بقية الوسائل ومنها وقفة الأقارب والأصدقاء معه إمّا بالتبرع أو بالقرضة الحسنة، فإنْ لم يجد ذلك وهو ما سيكون شيئًا مؤسفًا إذ يفترض أنْ يكون هنالك تعاون وتكامل بين المسلمين تحقيقًا لمعنى الأخوة والولاية كما جاء في كتاب الله سبحانه العزيز:-

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة: 71].

وفي قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(المُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

فله حينئذ أنْ يأخذ بالقدر الذي يسدّ حاجته وبالحدّ الأدنى.

وأنا أنصح الجميع بتجنب الاستدانة إلّا للحاجة الأساسية والضرورية وليتذكروا:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِالوَفَاءِ، قَالَ: بِالوَفَاءِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وأنْ تكون عندهم النيّة الصادقة للسداد، فتوفرها سبب لتيسير الله عزّ وجلّ لهم لتأدية ما بذمتهم، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وفي الجانب الآخر أرجو من الدائنين أنْ يتقوا الله عزّ وجلّ في حسن الطلب والصبر على المُعسر الذي وصّى به الله جلّ وعلا في قوله:-

{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 280].

وقد جاء في الحديث الشريف:-

(كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِراً قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) متفق عليه.

وفي رواية:-

(قال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.

ولا بُدّ أنْ أذكّر أنّ الله جلّت قدرته رغّب عباده المؤمنين بالإقراض حرصًا على سدّ حاجة النّاس وجعل أجر الدَّيْن أعظم من أجر الصدقة لأنّها تقع في يد المحتاج، قال سبحانه:-

{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البقرة: 245].

فالذي يقرض الناس يدخل في هذه الآية الكريمة وكأنّه أقرض الله جلّ جلاله وعمّ نواله.

وأختم جوابي بهذه القصة الجميلة التي جاءت عبر حديث سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، قَالَ: ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً، قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَباً يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي كَانَ أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَباً، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مَعَهَا إِلَى صَاحِبِهَا، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا الْبَحْرَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي اسْتَلَفْتُ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيداً، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً، فَرَضِيَ بِكَ، وَإِنِّي قَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَباً أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالَّذِي أَعطْاني، فَلَمْ أَجِدْ مَرْكَباً، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، يَنْظُرُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَطْلُبُ مَرْكَباً يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَباً يَجِيءُ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَال، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَباً، فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ، فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَار، وَقَال: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَباً قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَباً قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهِ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِأَلْفِكَ رَاشِداً) الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله عزّ شأنه.

­­­وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة ( 33، 95، 113) في هذا الموقع الميمون.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلّى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.