2012/7/7
مشاركة الأخ أبو عبد الرحمن جزاه الله خيراً.

** الشيخ العلامة عبد الكريم المدرس -رحمه الله تعالى- **


فضيلة الشيخ: عبد الكريم المدرس -رحمه الله تعالى-
من حق الأمم والشعوب أن تفخر بعلمائها الأجلاء، ومن حق العراق بكرده وعربه أن يفخر بأحد العلماء الأكارم الذي كرّس حياته لخدمة الدين والعلم والفقه والأدب، ألا وهو العلامة المرحوم الشيخ عبد الكريم بيارة المدرس.

* حياته:
ولد عالمنا الجليل الشيخ عبد الكريم ابن فتاح ابن سليمان ابن مصطفى ابن محمد، من عشيرة (هوزقاضي) في شهر ربيع الأول سنة 1323 هجرية، الموافق لسنة 1902 ميلادية، وتوفي يوم الثلاثاء 2005/8/30 عن عمر يناهز المائة عام، أمضاها في العلم والتعلم والتعليم والفتوى الدينية، وبوفاته فقد العراق والعالم الإسلامي أحد أعمدة العلم الديني الذي لا يعوّض.
ونظرا لولادته ونشأته في بيئة دينية، فقد توجه نحو الدراسة الإسلامية في المدارس الدينية التي كانت منتشرة في أنحاء مختلفة من العراق وختم القرآن مبكرا، ودرس على يد نخبة من العلماء ونال الإجازة العلمية سنة 1925 على يد الشيخ (عمر القره داغي)، وصار بعد ذلك مدرسا وإماما في أحد جوامع قضاء حلبجة.

ولم يمضِ وقت طويل حتى انتقل إلى قرية (بيارة) حيث عمل مدرسا في مدرستها الدينية في تكية الشيخ علاء الدين النقشبندي حتى سنة 1951، وهناك برز حتى أصبح يسمى (عبد الكريم بيارة المدرس).
قام بالتدريس في السليمانية وكركوك قبل أن يستقر ببغداد ويعين مدرسا في مدرسة الشيخ عبد القادر الگيلاني وإماما في جامع الأحمدي وظل يواصل الدرس والتدريس والإفتاء حتى آخر يوم من حياته.
عاش الفقيد الراحل حياة طويلة مليئة بالثمار اليانعة من المؤلفات القيمة باللغات الكردية والعربية والفارسية، وكان مجلسه وديوانه العامر في جامع حضرة الشيخ عبد القادر الگيلاني تعمّه صباحاً ومساءً الجنسيات المختلفة من طلاب العلم المسلمين
إضافة إلى زواره المختلفين. . فمنهم الزائر ومنهم الحائر ومنهم السائل فيصغي لاستفساراتهم الشرعية لإصدار الفتاوى كونه مرجعاً فقهياً معتمدا ومتولي منصب الإفتاء ورئيس رابطة علماء الدين في العراق، وقضى وقتا مثمرا لكتابة مؤلفاته الدينية والأدبية، ومن أهمها تفسير القرآن الكريم وكذلك القاموس العربي الكردي.

* مسيرته العلمية:
بدأ دراسته عندما بلغ سن التمييز فختم القران الكريم وبعض الكتب الدينية الصغيرة؛ وتجول في المدارس ووقع تحت رعاية أحد العلماء فقرأ عنده المقدمات في النحو والصرف؛ دخل مدرسة (خانقاه دورود) في إدارة حضرة الشيخ علاء الدين بن الشيخ عمر ضياء الدين بن الشيخ عثمان سراج الدين، ودرس النحو والمنطق وآداب البحث والفقه والفلك؛ وكان من أساتذته كذلك العالم الملا محمود بالك، أقام في خانقاه حضرة مولانا خالد حيث درس على يد العلاَّمة الشيخ عمر القره داغي علوم البرهان والتشريح والحساب والحكمة والاسطرلاب والبلاغة والفقه. ثم انتقل إلى كركوك وعمل مدرسا وخطيبا في التكية الطالبانية هناك ولقي من لدن الشيخ جميل الطالباني كل احترام وتقدير.
* الحضرة الگيلانية/1914:
كانت الانعطافة الكبيرة في حياته عندما شغرت مدرسة سيدنا حضرة الشيخ عبد القادر الگيلاني في بغداد بوفاة المدرس المعروف الشيخ محمد القره داغي، فتوجه إلى بغداد وشارك في الامتحان الخاص بالقبول لتولي المركز المذكور، ونجح في الامتحان وتعيَّن مدرساً في الجامع الأحمدي قرب وزارة الدفاع، كما قدم طلبا للتدريس في جامع حضرة الشيخ عبد القادر فحصلت الموافقة؛ وخلال عمله في مدرسة الجامع المبارك المذكور كان يعمل معه مدرسان آخران هما الحاج عبد القادر الخطيب وكمال الدين الطائي، فمارس التدريس فيها بجدارة وإخلاص واقتدار.
وفي سنة 1973م أحيل على التقاعد، ولكن السادة النقباء الشرفاء من ذرية الشيخ الگيلاني كلفوه بالبقاء في محله بالحضرة القادرية لإفتاء المسلمين في الأحكام الشرعية، والقيام بالإمامة للصلاة؛ وقد تحولت تكيته في الحضرة الگيلانية إلى ما يشبه المضيف حيث كان يقصده فيها رجال الدين وسائر محبيه ومعارفه من مختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية. . وفي الواقع أنّ شهرة الشيخ عبد الكريم المدرس وصلت إلى كل أرجاء العالم؛ كما شغل وتولى باقتدار منصب المفتي الأول للشافعية في العالم ورئيس رابطة علماء الدين في العراق؛ وقاربت مؤلفاته ونتاجاته الرصينة المائة كتاب في مجال الدراسات الأدبية والدينية.

* مؤلفاته:
ترك المرحوم المدرس عددا كبيرا من الكتب والدراسات باللغتين العربية والكردية منها (تفسير القران الكريم باللغة الكردية) ويقع في سبعة أجزاء، وكتاب (الشريعة الإسلامية) باللغة الكردية وكتاب (فتاوى العلماء الأكراد الفقهية) باللغة العربية (3 أجزاء) وتفسير القران الكريم (مواهب الرحمن في تفسير القران) ثمان أجزاء؛ ومن مؤلفاته في النحو: (المواهب الحميدة في شرح الفريدة) للسيوطي وفي علم الكلام له (الوسيلة في شرح الفضيلة) لعبد الرحيم المولودي وفي الأدب الكردي (شرح ديوان مولودي)، وشرح ديوان (فقي قادر هماوندي)، وشرح ديوان (بيساراني) وكان له اهتمام كبير بالتاريخ، ومن مؤلفاته في هذا المجال كتابه: (علماؤنا في خدمة العلم والدين) باللغة العربية؛ وكل من يتأمل نتاجاته ويمعن النظر فيها يلاحظ وبلا عناء طول باعه وعلو كعبه في هذه اللغات ومعرفته العميقة لأساليبها البيانية وكلها تدل على سعة اطلاعه على مفردات اللغة وقواعدها وتمكنه منها فاللغة طوع بنانه يضع منها ما شاء ويصوغ منها ما يوحي إليه فكره الواسع وخياله العميق كان الشيخ عبد الكريم المدرس علامة موسوعياً في معظم العلوم، ومحققاً ومدققاً في علوم الشريعة، ومصلحاً اجتماعياً يصلح بين الناس، وعالماً ربانياً زاهداً عن الدنيا، ناسكاً عن متاعها، محبوباً لدى الناس، متواضعاً، اجتمعت عليه كلمة علماء العراق؛ قضى الشيخ عبد الكريم سني عمره في العلم والتأليف والبحث والفتوى والتدريس؛ وتخرج على يديه الكثير من العلماء داخل العراق وخارجه؛ فقد درس في مدارس خانقاه ببياره منذ أربعينيات القرن العشرين، حتى استقر به المقام في الحضرة القادرية في بغداد في الستينيات؛ وترك الشيخ المدرِّس ثروة كبيرة من الكتب في مختلف العلوم والفنون الإسلامية بلغت أكثر من 150كتاباً، توزعت على أمور العقيدة وعلم الكلام والتفسير والفقه والنحو الصرف والبلاغة والمنطق وغيرها؛ كما كان صاحب موهبة في قرض الشعر؛ وكان ينشد الأشعار باللغات العربية والكردية والفارسية رحم الله المدرس فقد كان فقيها ورعا، وأستاذا بارزا، ومفكرا فذا، وعالما جليلاً.. احترمه العراقيون جميعا عربهم وأكرادهم، ووضعوه في مكانة لائقة به.. ولاشك أن وفاته تعد خسارة كبيرة وعزائنا انه ترك ما يجعلنا نذكره والذكر للإنسان حياة ثانية له.