2012/08/08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله أنْ لا يحرمنا من بركات توجهاتكم ودعواتكم.

سيّدي/ هل يجوز دفع زكاة الأموال بالتقسيط وذلك لعدم وجود سيولة كافية لدفعها مرة واحدة؟

وجزاكم الله تعالى كل خير

 

الاسم: عمر جليل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله تعالى خيرًا على مشاعرك الطيبة وأسأله عزّ وجلّ أن لا يحرمني من دعواتكم المباركة.

التكاليف الشرعية مبنية على الاستطاعة، قال الله تبارك اسمه:-

{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا —} [سورة البقرة: 286].

فمتى ما وجبت الزكاة فيجب استخراجها لأنّها حقّ المستحقين، ويجوز تقسيطها لهم إذا كان يحقق مصالحهم، وهذا بشرطين:-

الأول: أنْ تُعْزَل عن مالك وتضع علامة لذلك، أو تُعلم أهلك بها.

الثاني: أنْ يحقّق مصلحة لِمَنْ تُدفع إليهم.

كأنْ يعطيها لأيتام، أو مبذّر، أو معتوه لا يحسن التصرّف فيها إذا ما دفعت له دفعة واحدة.

ويستحسن استثمار ما بقي عنده من حقوق المحتاجين بما فعله الصالحون من عباد الله جلّ في علاه، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار:-

(— وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرُعَاتِهَا، فَخُذْ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ، فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فإذا دفع قبل أنْ تحلّ الزكاة معجّلًا وكان هناك اعتبار شرعيّ صحيح كحاجة محتاج فيمكن في هذه الحالة أنْ تُقسَّط قبل الوجوب لا بعده، أو يُعطى القسم الأكبر منها قبل الحول والباقي بعده، لأنّه لا يضمن بقاء المال عنده إنْ أخّرَها بعد انتهاء الحول.

مع التذكير على ضرورة الإسراع في دفع الزكاة قدر الإمكان فذلك من المسارعة في الخيرات التي امتدح الله تعالى عليها عباده الصالحين فقال:-

{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 114].

وعن سيّدنا عقبة بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال:-

(صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

والتِّبْرُ: الذَّهَبُ.

كذلك قد يأتيه الموت بغتةً، فيلقى ربّه وهو مدين بزكاة ماله، خاصةً وأنّه من الممكن ألّا يؤدِّيَ ورثتُه بعد ذلك زكاةَ هذا المال؛ لذلك ينبغي أنْ يبادرَ بإخراجها متى ما حال الحول، ولا يؤخِّرَها عن هذا الوقت، إذ لا يضمن أحد عمره، ولا يعرف إنسان ماذا يكسب غدًا، وما يحلّ به بعد غد، قال الله عزّ شأنه:-

{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 34].

فالتسويف حرام في الفرائض بصفة عامة.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.