2012/9/6
مشاركة الأخ احمد إسماعيل البرزنجي جزاه الله خيراً.

بسم الله الرحمن الرحيم


:: كونوا أوفياء لأمواتكم ::



الحمد لله رب ا لعلمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد:
الوفاء: هو أجمل شيء في حياة المحبين ولطالما رفع الوفاء قدر أناس وأزال الأحقاد ونشر الألفة والمحبة بين الناس ووصل ما انقطع من حبال المحبة والأرحام والشيء الوحيد الذي يوصلنا بمن فارقنا إلى العالم الآخر فغالبا ما ينسى الميت بعد دفنه ويأخذ النسيان مساحة زمانية وعلى قدر مكانته بين أهله والناس وعلى قدر ما قدم من أثار فهناك من يبقى في ذاكرة الدوام وآخر في ذاكرة قومه وآخر في ذاكرة عشيرته وهناك من يبقى في ذاكرة ولده ووالديه وآخر لا يبقى إلا في ذاكرة أحب الناس إليه وبموت ذلك المحب تنطوي صفحة ذكره وهناك من يطويه النسيان فور موارته بالتراب وهذا النسيان جفاء وعدم وفاء للأقربين والمحبين وليس غريبا على زماننا الجفاء وقلة الوفاء بين الأحياء فكيف بالأموات إلا يستحق والديك الوفاء ؟ إلا يستحق مشايخك الوفاء؟ إلا يستحق زوجك الوفاء؟ إلا تستحق زوجتك الوفاء؟ إلا يستحق صديقك الوفاء؟ إلا يستحق المسلمين منك الوفاء؟ الكثير يظن جهلا أن الموت انفصال وليس هناك اتصال وهذا من جهل الإنسان بدينه أو لأنانيته وحب ذاته والميت لا حول له ولا قوه وكما جاء في طبقات الشافعية الكبرى لما يرويه السبكي الابن مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ أو قريب وأنه ليدخل على قبور الأموات من الأحياء من الأنوار أمثال الجبال وهناك موصول من الأموات ومقطوع وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له ).
وروى أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطاً في سبيل الله، ومن علّم علماً أجرى له عمله ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، ورجل ترك ولداً صالحاً فهو يدعو له).
وقد جاء في الحديث فيما رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته).
وقد نظمها السيوطي في أبيات فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري *** علـيــه مـن فـعـــال غيــر عشــرِ
علــومٌ بثـهـا، ودعــاء نَجْـلِ *** وغرس النخل، والصدقات تجري
وراثةٌ مصحفٍ، ورباط ثغر *** وحفــر البـئـر، أو إجــراءُ نـهــرِ
وبيتٌ للغـريب بنــاه يــأوي *** إلـيـــه، أو بـنـــــاءُ مـحــلِ ذكـــرِ

وسنبين هذه أعمال مفصلة:
ووصل الحي للميت يبدأ من حين الغرغرة وهذا ما نسميه ما ينفعه من كسب غيره ومنها تلقين الميت كلمة التوحيد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه الجماعة إلا البخاري.
وكذا تغسيله وتكفينه ثم الصلاة عليه: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه) رواه مسلم.

والدعاء له:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود. قال الحافظ: هذا حديث حسن.
وصلاة الجنازة أربع تكبيرات، يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية الصلاة الإبراهيمية وهي: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد) وبعد الثالثة: يدعو للميت وهو المقصود الأعظم من الصلاة على الميت؛ وأفضل ما جاء من الصيغ وأجمعها حديث عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار)؛ قال الراوي: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت، رواه مسلم.
وهناك أدعية كثيرة بإذن الله سنذكرها لكي يزداد الوفاء:
وأما التكبيرة الرابعة، يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.

الوقوف عند قبر الميت والدعاء له والاستغفار:
لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: ( بسم الله، وعلى سنة رسول الله) أخرجه أبو داود؛ ولحديث عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود.
الدعاء للميت عند زيارة المقابر:
لقوله صلى الله عليه وسلم إذا زار المقابر: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) رواه مسلم.

وقال الإمام النووي-رحمه الله تعالى: ( أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم).
وذكر الشيخ القاسمي: (إن من حقوق الأخوة والصحبة أن تدعو له في حياته ومماته، بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به، كما تدعو لنفسك).

دعاء المسلمين خاصّهم وعامّهم له:
لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الحشر: 10.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل) رواه مسلم.

المسارعة في قضاء الدين عنه:
لقوله صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه) أخرجه البخاري.

قضاء ما عليه من نذر، وصيام، وغيره :
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: استفتى سعد بن عبادة رضي الله عنه ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أُمِّهِ، توفيت قبل أن تقضيه، فقال: (اقضه عنها) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه) متفق عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى: (فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أن يصام عن الميت ما نذر، وأنه شبّه ذلك بقضاء الدين، والدين يصح قضاؤه من كل أحد، فدل على أنه يجوز أن يُفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك بالولد) مجموع الفتاوى باختصار.
قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى:( أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة ).
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى: ( يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس وأصحابه، وهذا الصحيح، لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِمُ أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه وهذا محض الفقه) تهذيب السنن.
الصدقة عن الميت :
عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أمي افتلتت نفسها ـ ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟، قال: (( نعم، فتصدق عنها )) رواه البخاري، ومسلم.

قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى: ( الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها وهو كذلك بإجماع العلماء).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى: ( فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة والعتق، فإذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك، كما ينفعه بدعائه له، والصدقة عنه، وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه، أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه، ودعائهم له عند قبره) مجموع الفتاوى بتصرف.
الحج عن الميت :
لقول النبي صلى الله عليه وسلم للتي قالت: (إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟، فقال: (( حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين، أكنتِ قاضيته عنها؟ أُقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)) رواه البخاري، ومسلم.
عن بريده ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن أمي ماتت ولم تحج، أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها؟، قال: (( نعم )) رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى: ( ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنه أمر بحج الفرض عن الميت، وبحج النذر، كما أمر بالصيام، وأن المأمور تارة يكون ولداً، وتارة يكون أخاً، وشبّه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين يكون على الميت، والدين يصح قضاؤه من كل أحد، وأما الحج فيجزي عند عامتهم ليس فيهم إلا اختلاف شاذ) مجموع الفتاوى 24بتصرف.
قال الإمام ابن القيم-رحمه الله تعالى: ( مرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكى عنه إلا إذا كان معذوراً بالتأخير، فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرَّط فيها حتى مات) تهذيب السنن باختصار.
والإنسان العاقل هو الذي يحكم السفينة ويكثر من الزاد ويستعد للموت فيعمل أعمالا تنفعه بعد مماته وهذا ما نسميه ما ينفع الميت من كسبه أو ما خلف من أثارلقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} يس: 12.
قال ابن كثير-رحمه الله تعالى: ( نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضاً إن خيراً فخير وإن شراً فشر).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى- في قوله تعالى  {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} سورة النجم: 39.
وهذا حق فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه ويستحقه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره. مجموع الفتاوى.