2012/9/19
مشاركة من السيد باهر سمير جزاه الله خيراً.
:: شيخ علماء العراق العلاّمة محمد عبد الكريم بيارة المدرس ::
الكاتب د. أكرم عبد الرزاق المشهداني.
شيخ علماء العراق العلاّمة محمد عبد الكريم بيارة المدرس يرحمه الله عالم جليل يفخر به الكُرد والعرب والعالم الإسلامي:
من حق الأمم والشعوب أن تفخر بعلمائها الأجلاء، ومن حق العراق بكرده وعربه أن يفخر بأحد العلماء الأكارم الذي كرّس حياته لخدمة الدين والعلم والفقه والأدب، ألا وهو العلامة المرحوم الشيخ عبد الكريم بيارة المدرس.
ولد عالمنا الجليل الشيخ عبد الكريم ابن فتاح ابن سليمان ابن مصطفى ابن محمد من عشيرة (هوزقاضي) في شهر ربيع الأول سنة 1323 هجرية، المصادف لفصل الربيع من سنة 1902 ميلادية، وتوفي يوم الثلاثاء 30/8/2005 الموافق 25 رجب 1426هـ عن عمر يناهز المائة عام أمضاها في العلم والتعلم والتعليم والفتوى الدينية، وبوفاته فقد العراق والعالم الإسلامي أحد أعمدة العلم الديني الذي لا يعوّض.
ونظرا لولادته ونشأته في بيئة دينية؛ فقد توجه نحو الدراسة الإسلامية في المدارس الدينية التي كانت منتشرة في أنحاء مختلفة من العراق وختم القرآن مبكرا، ودرس على يد نخبة من العلماء ونال الإجازة العلمية سنة 1925 على يد الشيخ عمر القرة داغي، وصار بعد ذلك مدرسا وإماما في إحدى جوامع قضاء حلبجة؛ ولم يمض وقت طويل حتى انتقل إلى قرية بيارة حيث عمل مدرسا في مدرستها الدينية في تكية الشيخ علاء الدين النقشبندي، حتى سنة 1951 وهناك برز حتى أصبح يسمى (عبد الكريم بيارة المدرس)؛ درس في السليمانية وكركوك قبل أن يستقر ببغداد، ويعين مدرسا في مدرسة الشيخ عبد القادر الگيلاني وإماما في جامع الأحمدي ومع انه أحال نفسه على التقاعد الوظيفي مبكراً إلا انه ظل يواصل الدرس والتدريس والإفتاء حتى آخر يوم من حياته.
انصرف الشيخ محمد عبد الكريم المدرس إلى التدريس بكل جهد وجد ورغبة وقد ساهم في تخريج عدد كبير من أهل الفضل والعلم والاستعداد لخدمة الإسلام والمسلمين، واصل سماحته تدريس العلوم الدينية في السليمانية ثم في ((دورود)) في إيران في المدرسة والتكية النقشبندية، وأخيراً استقر به المقام في بغداد في مدرسة الشيخ عبد القادر الگيلاني حتى آخر سنوات عمره.
عاش الفقيد الراحل حياة طويلة مليئة بالثمار اليانعة من المؤلفات القيمة باللغات الكردية والعربية والفارسية، وكان مجلسه وديوانه العامر في جامع حضرة الشيخ عبد القادر الگيلاني تعمّه صباحاً ومساءً الجنسيات المختلفة من طلاب العلم المسلمين إضافة إلى زواره المختلفين فمنهم الزائر ومنهم الحائر ومنهم السائل فيصغي لاستفساراتهم الشرعية لإصدار الفتاوى كونه مرجعاً فقهياً معتمدا ومتولي منصب الإفتاء ورئيس رابطة علماء الدين في العراق، وكان يستغل وقت الفراغ في التفرغ إلى كتاباته ومؤلفاته الدينية والأدبية، ومن أهمها تفسير القرآن الكريم وكذلك القاموس العربي الكردي.
كتب عنه مؤلف كتاب تاريخ مشاهير الألوية العراقية (لواء السليمانية ): عبد المجيد فهمي حسن سنة 1946 أي قبل أربع وستين عاما: ((فضيلة الملا عبد الكريم بن محمد، رجل من أفاضل رجال العلم وفقيه، اشتغل بتدريس هذه العلوم وهو لم يزل دائبا على توجيه تلامذته التوجيه العلمي الصحيح وقد ألفّ عدة كتب ورسائل في هذا الشان)) وقد أصاب مؤلف كتاب لواء السليمانية كبد الحقيقة حيث قال عنه: ((وهو وقور يمشي وجلال العلم والتقشف يحف به لا يرى من دنياه إلا أن يؤدي واجبه تجاه الرسالة الإسلامية)). لذلك لم يتزلف لحاكم ولم تهمه أمور السياسة.
مسيرته العلمية:
بدأ دراسته عندما بلغ سن التمييز فختم القران الكريم وبعض الكتب الدينية الصغيرة، وتجول في المدارس ووقع تحت رعاية أحد العلماء فقرأ عنده المقدمات في النحو والصرف، دخل مدرسة (خانقاه دورود) في إدارة حضرة الشيخ علاء الدين بن الشيخ عمر ضياء الدين بن الشيخ عثمان سراج الدين، ودرس النحو والمنطق وآداب البحث والفقه والفلك، وكان من أساتذته كذلك العالم الملا محمود بالك، أقام في خانقاه حضرة مولانا خالد حيث درس على يد العلاَّمة الشيخ عمر القره داغي علوم البرهان والتشريح والحساب والحكمة والاسطرلاب والبلاغة والفقه.
وفي سنة 1374 هـ انتقل إلى كركوك وعمل مدرسا وخطيبا في التكية الطالبانية هناك ولقي من لدن الشيخ جميل الطالباني كل احترام وتقدير.
الحضرة الگيلانية / 1914
وكانت الانعطافة الكبيرة في حياته ،عندما شغرت مدرسة سيدنا حضرة الشيخ عبد القادر الگيلاني في بغداد بوفاة المدرس المعروف الشيخ محمد القره داغي ،فتوجه إلى بغداد وشارك في الامتحان الخاص بالقبول لتولي المركز المذكور، ونجح في الامتحان وتعيَّن مدرساً في الجامع الأحمدي قرب وزارة الدفاع ،كما قدم طلبا للتدريس في جامع حضرة الشيخ عبد القادر فحصلت الموافقة؛ وخلال عمله في مدرسة الجامع المبارك المذكور كان يعمل معه مدرسان آخران هما الحاج عبد القادر الخطيب وكمال الدين الطائي، فمارس التدريس فيها بجدارة واخلاص واقتدار.
وفي سنة 1973 م أحيل على التقاعد، ولكن السادة النقباء الشرفاء من ذرية الشيخ الگيلاني، كلفوه بالبقاء في محله بالحضرة القادرية ،لإفتاء المسلمين في الأحكام الشرعية، والقيام بالإمامة للصلاة.
وقد تحولت تكيته في الحضرة الگيلانية إلى ما يشبه مضيف الكرد، ويقصده فيها رجال الدين وسائر محبيه ومعارفه من مختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية، إضافة إلى الزوار الأجانب.
وكان يستقبلهم ببشاشة وتقدير يسأل عنهم وعن الأمور التي جاءوا من اجلها .
وفي الواقع أن شهرة الشيخ عبد الكريم المدرس وصلت إلى كل أرجاء العالم؛ كما شغل وتولى باقتدار منصب المفتي الأول للشافعية في العالم ورئيس رابطة علماء الدين في العراقP وان مؤلفاته ونتاجاته الرصينة التي قاربت المائة كتاب عرفته للباحثين والعاملين في مجال الدراسات الأدبية والدينية.
مؤلفاته:
ترك المرحوم المدرس عددا كبيرا من الكتب والدراسات باللغتين العربية والكردية منها (تفسير القران الكريم باللغة الكردية) ويقع في سبعة أجزاء، وكتاب (الشريعة الإسلامية) باللغة الكردية وكتاب (فتاوى العلماء الأكراد الفقهية) باللغة العربية (3 أجزاء) وتفسير القران الكريم (مواهب الرحمن في تفسير القران) ثمان أجزاء.
ومن مؤلفاته في النحو: (المواهب الحميدة في شرح الفريدة) للسيوطي وفي علم الكلام له (الوسيلة في شرح الفضيلة) لعبد الرحيم المولودي وفي الأدب الكردي (شرح ديوان مولودي)، وشرح ديوان فقي قادر هماوندي، وشرح ديوان بيساراني وكان له اهتمام كبير في التاريخ، ومن مؤلفاته في هذا المجال كتابه: (علماؤنا في خدمة العلم والدين) باللغة العربية.
وكل من يتأمل نتاجاته ويمعن النظر فيها يلاحظ وبلا عناء طول باعه وعلو كعبه في هذه اللغات ومعرفته العميقة لأساليبها البيانية وكلها تدل على سعة اطلاعه على مفردات اللغة وقواعدها وتمكنه منها فاللغة طوع بنانه يضع منها ما شاء ويصوغ منها ما يوحي اليه فكره الواسع وخياله العميق.
أما مؤلفاته بالعربية فهي:
1.إرشاد الأنام إلى أركان الإسلام.
2.إرشاد الناسك إلى المناسك.
3.إسناد الأعلام.
4.إعلام بالغيب وإلهام بلا ريب.
5.الأنوار القدسية في الأحوال الشخصية.
6.الفرائد الجديدة.
7.القصيدة الوردية في سيرة خير البرية.
8.الوردة العنبرية في سيرة خير البرية.
9.الوسيلة في شرح الفضيلة.
10.جواهر الفتاوى.
11.جواهر الكلام في عقائد أهل الإسلام.
12.خلاصة جواهر الكلام.
13.رسائل الرحمة في المنطق والحكمة.
14.رسائل العرفان.
15.صفوة اللآلي.
16.علماؤنا في خدمة العلم والدين.
17.مواهب الرحمن في تفسير القرآن.
18.نور الإسلام.
19.نور الإيمان.
مؤلفاته باللغة الكردية:
1.باخضة ي طولاَن / حديقة الورود.
2.باراني رِة حمة ت / مطر الرحمة.
3.بة هار وكولَزار / الربيع والرياض.
4.بنة مالَة ى زانياران / أسرُ العُلماء.
5.بهارستان مولانا جامى / عالم ربيع مولانا جامي.
6.تة صريفي زنجاني / تصريف الزنجاني.
7.تة فسيري نامي / تفسيرُ نامي.
8.ثهناو سكالا / مديحٌ وتضرُّع.
9.حج نامة / رسالة الحج.
10.خولاصة ي تة فسيري نامي / مختصر تفسير نامي.
11.دانشمندان كرد – درخدمت علم ودين / علماؤنا في خدمة العلم والدين.
12.دوو رِشتة ي مرواري / حلقتان من اللؤلؤ.
13.ديواني فة قيَ قادري هة مة وةند / ديوان فقي قادر الهماوندي.
14.ديواني مة حوي / ديوان محوي.
15.ديواني مة ولة وي / ديوان مولوي.
16.ديواني نالي / ديوان نالي.
17.رِوزكاى زيانم / أيامُ حياتي.
18.رِوزكاى بة هة شت / طريق الجنة.
19.رِيَكاى رِة هبة ر / سبيل الرسول.
20.سة رضاوة ى ئايين / منبع الدين.
21.سوَسةني كؤسار / سَوسَنةُ الجبال.
22.شة ريعة تي ئيسلام – بة ركى 1،2،3،4 / الشريعة الإسلامية/ أربعة أجزاء.
23.شة مامة ى بؤندار / الشمامة العطرة.
24.شة وضرا / سراجُ الليل.
25.شمشيَر كاري / السيف البتّـار.
26.عة قيدة ي مرضية / العقيدة المرضية.
27.فوائد الفوائح / فوائد الفوائح.
28.كة راماتي حضرة ضياء الدين “قدس سره” / كرامات حضرة عمر ضياء الدين “قدس سره”.
29.لة ثةناى رِة هبة ر / في ظلال الرسول.
30.ليموَي مة زة دار / الليمونة الذيذة.
31.مة ولود نامة وميعراج نامة / رسالة المولد النبوي ورسالة المعراج.
32.مكتوبات كاك احمد شيخ / مكتوبات كاك أحمد الشيخ.
33.مناجات / المناجاة.
34.نامة ى بة ختيار / رسالة السعيد.
35.نامة ى ثيروَز / الرسالة المقدسة.
36.نامة ى هؤشيار / رسالة النبيه.
37.نامة ي بوَندار / الرسالة العطرة.
38.نوورى ئيسلام / نور الإسلام.
39.نووري قورئان / نور القرآن.
40.هؤنراوة ي لة ثةناى رِة هبة ر وياراندا / منظومة شعرية في مدح الرسول والأصحاب.
41.وة فات نامة / رسالة الوفاة.
42.وةنة وشة ي نازدار / البنفسجة المدللة.
43.ووتارى ئايينى / الخطب الدينية.
44.يادي مة ردان/ دوو بة رك / ذكريات الرجال/ مجلدان.
45.ئةساسي سةعادت / أساس السعادة.
46.ئيمان وئيسلام / الإيمان والإسلام.
مؤلفاته باللغة الفارسية:
رسالة شمشير كاري في رد من أنكر التقليد والإجتهاد علماء قالوا في حق الشيخ عبد الكريم بيارة المدرس:
قال في حقه الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين: ((لقد قدم الشيخ عبد الكريم يرحمه الله الكثير لهذا البلد إذ طلب العلم منذ نعومة أظفاره وأخذ من العلم ما اخذ وسار على نهج العلماء في إبلاغ ما تحمل من علم وفقه ومعرفة، وقضى جل عمره الكريم في التدريس والوعظ والإفتاء وانقطع عن الدنيا إلا من عمل الخير. لقد رحل عنا ولم يخلف من بعده مثله في كثير من صفاته التي عرفناها عنه فكان متواضعا وكان غير منشغل بالدنيا وشاهد ذلك أنه آثر البقاء في جامع الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني (رحمه الله) منقطعاً عن الكثير من الأهل والأحباب إلا من طلابه وأحبابه الذين قصدوه إلى هذا المسجد)).
عالم متواضع لا يحب الظهور:
وأضاف الشيخ الضاري في وصف فقيد العراق والأمة: (ولم يكن ممن يحب الظهور الذي تهواه الكثير من النفوس كما لم يكن يميل إلى التقرب من الحكام؛ رحم الله الشيخ عبد الكريم المدرس).
أما الدكتور عدنان سلمان فقال في حقه: ((لقد كان رحمه الله مخلصا للعلم ولم يكن من أهل الدنيا ولا من طلابها قضى عمره في الكتابة والتأليف وكان عضوا في المجمع العلمي رحمه الله ونسأل الله له الجنة وعوضنا الله بعلماء مثله).
وقال الدكتور زياد العاني رئيس الجامعة الإسلامية في حقه: ((لقد تميز الشيخ عبد الكريم بورعه وتقواه ومحبته للمسلمين. فقد فقدناه ونحن بحاجة إليه في الأمة الإسلامية عموما وفي العراق خصوصا)).
وقال تلميذه الأستاذ قاسم الحنفي في حقه: ((كان صفحة جمعت سيرة من أدركهم من العلماء الأكراد والعرب، كان صفحة بيضاء جمعت كريم أخلاقهم وفضائلهم، فموته قد طوى هذه الصفحة، وأقول ولست مبالغاً أن حياته كانت زاداً روحياً وعلمياً وثروة عظيمة لا تثمن ولا تعوض وكان يقول عن نفسه: إذا مت فستموت معي علوم كثيرة)) ((إن فضائله لا تستقصى ومزاياه لا تحصى لكني سأذكر ما عزّ من أخلاقه وندر من فضائله وأجملها في ثلاث:
أما الخلق الأول: فإستقامته على الطاعة، وأعظم بها من كرامة وأي كرامة، كان كثير الذكر لا يفتر عن ذكر لفظ الجلالة، ولا يمل من ذكر لا اله إلا الله بصوته الخفي، وفي بعض الأحيان يرفع صوته قليلاً بلفظ الجلالة فأشعر بأن الغرفة المباركة ترتج، وأرى العين تذرف دموعها، والأعناق تهتز شوقاً إلى لقاء بارئها، اجل كان من الذاكرين الله كثيراً، مشغولاً بالتدريس والتأليف وتهذيب النفوس وترويضها على العبادة، وكنت استنصحه فيقول لي: إما إخلاص وإما إفلاس.
وأما الخلق الثاني: فزهده النادر، فقد كان متجرداً عن الدنيا، بعيداً عن كل مواطن الظهور، متواضعاً خرج من هذه الدار الفانية وليس عنده دارٌ يملكها، ولا دابة، بل ترك وراءه مكتبة كبيرة أوقفها للمكتبة القادرية وكفناً اشتراه في أثناء حجه وقد غسلته وكفنته به، واهدت له الحكومة السابقة سيارة حديثة ومالاً عظيماً إعانة له وتوسعة، فرد المبعوث وقال له: عبد الكريم غير محتاج، وكانت تأتيه الأموال فيفرقها على طلبة العلم المحتاجين.
وأما الخلق الثالث: فوفاؤه لشيوخه وذلك بذكرهم والقيام بأداء حقوقهم ونشر فضائلهم وترويج مؤلفاتهم واقرائها للطلبة، وكان كثير التبجيل للعلماء فلا يذكرهم إلا بالخير والثناء والترحم، وما سمعته يوماً وقد ذكر عنده العلامة سيدي الشيخ أمجد الزهاوي إلا وقال: سيدنا الشيخ، وإذا عرف أن زائراً ما ينحدر من سلالة العلماء والمشايخ يعظمه ويكرمه.
أقول في نهاية هذه الشذرة: إن موته خسارة عظيمة للعالم الإسلامي اجمع، فهو فقيد الأمة الإسلامية، وان موته قد طوى صفحة مليئة بالمفاخر والفضائل، فرحمك الله يا أستاذنا يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا، وان القيام بمهامه بعده لحمل ثقيل، اسأل الله تعالى أن يجمع شمل علماء العراق تحت مظلة الحب في الله ونصرة دينه)).
كان، رحمه الله ، مرجعا فقيها كبيرا تزوره الوفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي في مقره بالحضرة الگيلانية المشرفة، وتخرج على يديه العشرات من علماء الدين ونالوا الإجازة العلمية التي أهلتهم لممارسة الخطابة والإمامة والوعظ والتدريس، كنت أتردد عليه أحياناً وتغمرني سعادة لا توصف عند زيارته، في النظر إلى وجهه البشوش وكلامه اللطيف الحنون وأنظر إليه وهو يغمس الريشة في المحبرة التي إلى جانبه ليكتب بها ما تجود به قريحته ونفسه الصافية وقلبه العامر بالإيمان من تفسير للقرآن الكريم أو غيرها من المؤلفات أو استمع إلى شرحه وتعليقه أثناء تدريسه لطلابه في غرفته في جامع ومسجد الشيخ عبد القادر الگيلاني.
انتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي منذ تأسيسه سنة 1947 كما اختير عضوا مؤازرا في مجمع اللغة العربية الأردني.
الشيخ كان يعارض غزو العراق:
كان الشيخ الجليل عبد الكريم أبياً عفيفاً لم يتنازل أو يداهن حاكماً ولا سلطة، وما قبل عطية أو هدية من حاكم، أو مسؤول، وعند احتلال العراق كان له موقف مشهود أثار نقمة سلطات الإحتلال، والحكومة العراقية، بسبب فتواه ضد الإحتلال، وفرضت الحكومة والاحتلال طوقًا أمنيًا حول مدرسته بعد صدور أول فتوى له في 14 أبريل عام 2003، عقب احتلال العراق وسقوط بغداد، بإعلان الجهاد الموحد وإجازته للنساء الخروج للقتال في مواضع حددها الشيخ رحمه الله .وكان من أول علماء الدين الذين أفتوا برفض دعوات ((أسامة بن لادن)) وكان معارضا لتصرفات تنظيم القاعدة. ولكنه طلب من جميع فصائل المقاومة اتخاذ سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم منهجًا لهم، واتخاذه صلى الله عليه وسلم قائدًا لهم.
هذا وروى لي أشخاص من سكنة منطقة باب الشيخ أن محاولات آثمة جرت لاغتيال الشيخ الجليل لكن وقوف أهل منطقة باب الشيخ وراءه أفشل تلك المحاولات.
كما روي لي أن السلطة اعتقلت خادمه الأمين وهو مصري الجنسية خلال حملة تسفير المواطنين العرب الموجودين في العراق، وقد تأثر الشيخ الجليل بذلك وحاول عبثا السعي لإطلاق سراحه ففشل، وكان ذلك أحد أسباب انتكاسة حالته الصحية.
موقفان مع صدام حسين يرويهما الشيخ بنفسه:
موقفان يذكرهما لصدام في حديث الشيخ مع الصحفي حسين المعاضيدي حيث روى له روايتين عن موقفين مع صدام حسين:
يقول الشيخ الجليل:
((عام 1999 داهمني المرض ولم استطع مواصلة البقاء في الشيخ عبد القادر الگيلاني وقد نقلت إلى دار ولدي في منطقة جميله ؛ وفي وقتها كان يزورني بعض الأحباب للاطمئنان على صحتي ويبدو إن احدهم كتب في احدي الصحف خبرا عن مرضي وتركي مكان إقامتي ورقودي في دار ابني، وفي اليوم التالي أي يوم صدور الجريدة وفي الساعة الثامنة صباحا حضر فريق طبي متكامل إلى دار ولدي وابلغوني ان الرئيس قرأ خبر مرضك وأمر أن نقوم بفحصك ومعالجتك؛ كانت معهم باقه من الورد وبطاقة موقع عليها الرئيس صدام حسين؛ وتمنياته لي بالشفاء))
وموقف آخر يرويه الشيخ بنفسه:
(( جاءني بعض أقاربي واخبروني بان احد أبناءهم صدر بحقه حكم قضائي بالسجن؛ والتمسوا أن اشفع له لدى صدام؛ وفي احد الأيام زارني احد مرافقي صدام حيث أنهم اعتادوا عند حضورهم إلى مرقد الشيخ عبد القادر قدس الله سره، يقومون بزيارتي لأداء الصلاة في المسجد الملحق بغرفتي، وأثناء ذلك وكان وقت صلاة المغرب أخبرته برغبتي زيارة الرئيس صباح اليوم التالي حضر احد المرافقين واخبرني أن الرئيس بانتظار قدومكم، توجهت معه وعند وصولي إلى مكان وجوده كان بانتظاري في باب غرفته مرحبا قائلا :
زارتنه البركة بقدومكم.
وبعد الحديث معه طلب منى أن أدعو له بالخير والهدى لما يخدم الإسلام والمسلمين؛ وقبل أن أغادره عرضت عليه أمر ذلك السجين؛ وأجابني مباشرة:( تأمر شيخ هسه تأخذه معك) وبعد تبادل الأحاديث والاجابه على استفساراته الشرعية ودعته وعند وصولي إلى غرفة المرافقين وجد ذلك السجين موجودا حيث تم احضاره من السجن وأخذته معي.
وكان الشيخ عبد الكريم المدرس علامة موسوعياً في معظم العلوم، ومحققاً ومدققاً في علوم الشريعة، ومصلحاً اجتماعياً يصلح بين الناس، وعالماً ربانياً زاهداً عن الدنيا، ناسكاً عن متاعها، محبوباً لدى الناس، متواضعاً، اجتمعت عليه كلمة علماء العراق.
قضى الشيخ عبد الكريم سني عمره في العلم والتأليف والبحث والفتوى والتدريس، وتخرج على يديه الكثير من العلماء داخل العراق وخارجه.
فقد درس في مدارس خانقاه ببياره منذ أربعينيات القرن العشرين، حتى استقر به المقام في الحضرة القادرية في بغداد في الستينيات، وترك الشيخ المدرِّس ثروة كبيرة من الكتب في مختلف العلوم والفنون الإسلامية بلغت أكثر من 150 كتاباً، توزعت على أمور العقيدة وعلم الكلام والتفسير والفقه والنحو الصرف والبلاغة والمنطق وغيرها. كما كان صاحب موهبة في قرض الشعر، وكان ينشد الأشعار باللغات العربية والكردية والفارسية.
رحم الله المدرس فقد كان فقيها ورعا، وأستاذا بارزا، ومفكرا فذا، وعالما جليلاً.. احترمه العراقيون جميعا ووضعوه في مكانة لائقة به.. ولاشك في أن وفاته تعد خسارة كبيرة وعزائنا انه ترك مايجعلنا نذكره والذكر للإنسان حياة ثانية له.
أهم المصادر:-
* مشاهير الألوية العراقية /لواء السليمانية ،عبد المجيد فهمي حسن 1946.
* علماؤنا في خدمة العلم والأدب –تأليف عبد الكريم المدرس، عني بنشره محمد علي القره داغي /دار الحرية بغداد مقالات كتبت عن الشيخ الجليل عبد الكريم بيارة كتبها كل من الأفاضل:
-إبراهيم خليل العلاف.
-هيئة علماء المسلمين.
-الصحفي حسين المعاضيدي.
-جريدة الاتحاد- القسم الثقافي.
-كتاب إعلام القرن العشرين حميد المطبعي.