2012/10/04
السؤال:
بسم الله والصلاة على رسوله ومصطفاه واله ومن والاه وفقكم الله ونفع المسلمين بكم سيدي الكريم..هل مالم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم لايجوز فعله..وما هو فقه الترك للفعل من الشارع في شرعة الاسلام؟
 
الاسم: خضير غيدان
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على دعآئك وأسأله عز وجل أن يوفقنا جميعا لما يحبّ ويرضى.
 
اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده، فكان مسلكهم لإثبات حكم شرعي بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة هو:
 
1-   ورود نص من القرآن.
2-   ورود نص من السنة.
3-   الإجماع على الحكم.
4-   القياس.
 
واختلفوا في مسالك أخرى لإثبات الحكم الشرعي منها:
 
1-   قول الصحابي.
2-   سد الذريعة.
3-   عمل أهل المدينة
4-   الحديث المرسل.
5-   الاستحسان.
6-   الحديث الضعيف.
وغير ذلك من المسالك التي اعتبرها العلماء، والتي ليس من بينها الترك، لأنه لا يفيد حكمًا شرعيًّا بمفرده، وهذا محل اتفاق بين المسلمين.
 
وهناك من الشواهد والآثار على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا من تركه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم التحريم ولا حتى الكراهة، وذلك ما قرره الفقهاء عبر العصور.
وقد رد ابن حزم رضي الله عنه على احتجاج المالكية والحنفية رضي الله عنهم على كراهة صلاة الركعتين قبل المغرب بسبب أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم اجمعين كانوا لا يصلونها، حيث قال ما نصه: (لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهم رضي الله عنهم نهوا عنهما، ولا أنهم كرهوهما).
 
وكان ذلك عين موقفه من ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعبادة أصلها مشروع حيث قال في الكلام على ركعتين بعد العصر: (وأما حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه وعن جميع الصحابة وعنكم فلا حجة فيه أصلاً؛ لأنه ليس فيه إلا إخباره رضي الله عنه بما علم؛ من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صلاهما، وهو الصادق في قوله، وليس في هذا نهي عنهما، ولا كراهة لهما [وما] صام عليه السلام قط شهرًا كاملًا غير رمضان، وليس هذا بموجب كراهية صوم [شهر كامل تطوعًا])، فلقد فهم من ترك النبي عليه افضل الصلاة والسلام صيام شهر كامل غير رمضان، ما لا يدل على حرمة ولا كراهة صيام شهر كامل غير رمضان، حتى وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يفعله.
 
وقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الصلاة بعد رفع الرأس من الركوع: (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا…) إلى آخر الحديث، ولم يفهم الصحابي أن مجرد تركه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للدعاء في الصلاة يوجب الحظر، وإلا كيف يقدم على شيء وهو يعتقد حرمته، ولم يعاتبه النبي عليه الصلاة والسلام على المسلك، فلم يقل له مثلا: «أحسنت ولا تعد» أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة، وكما نعلم فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والحديث رواه رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه، قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سمع الله لمن حمده». قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: «من المتكلم؟». قال: أنا. قال «رأيت بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول). وعقب الحافظ ابن حجر هذا الحديث بقوله: «واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور». فإن كان هذا الحال في إنشاء ذكر غير مأثور في الصلاة، فالأمر خارج الصلاة أوسع من باب أولى.
 
فمما سبق نعلم أن مطلق الترك من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم اجمعين وعنكم وحتى القرون الثلاثة الخيرية لا يفيد شيئًا، لا تحريمًا ولا كراهة ولا غيرهما، ونفهم بعد هذا من خلال تقسيم افعال حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
 
أن فعله عليه الصلاة والسلام لا يخلو إما أن يكون صدر منه بمحض الجبلة، أو صدر منه بمحض التشريع، وهذا قد يكون عامًا للأمة، وقد يكون خاصًا به – صلى الله عليه وسلم -. فهذه ثلاثة أقسام:
 
القسم الأول: الأفعال الجبلية: كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، فهذا القسم مباح؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به، ولذلك نسب إلى الجبلة وهي الخلقة. لكن لو تأسى به متأسٍ فلا بأس وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكبارًا فلا بأس.
 
القسم الثاني: الأفعال الخاصة به – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – التي ثبت بالدليل اختصاصه بها كالجمع بين تسع نسوة، وصوم الوصال، فهذا القسم يحرم فيه التأسي به.
 
القسم الثالث: الأفعال البيانية التي يقصد بها البيان والتشريع، كأفعال الصلاة والحج، فحكم هذا القسم تابع لما بينه؛ فإن كان المبين واجبًا كان الفعل المبين له واجبًا، وإن كان مندوبًا فمندوب، وان كان مباحا فهو مباح، المهم انه يدخل ضمن الحكم الشرعي فتعرضه على اقسامه لتخرج بالنتيجة كما ذكرت سابقا.
 
وعلى هذا فكل شيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم اذا لم يرد به دليل نهي او تخصيص فهو من هذا القبيل من باب المباحات، وقد ألف في الموضوع العلامة الشيخ الغماري رحمه الله تعالى رسالة سمّاها (حسن التفهم والدرك في مسألة الترك).
 
والله سبحانه وتعالى أعلم.