2012/10/05
السؤال:
السلام عليكم
كيف الحال ياشيخنا العزيز إن شاء الله بخير
وأرجو أن تزيدنا من علمك في بعض المسائل الحرجة والتي كثرت الأقاويل منها الصادق ومنها الكاذب
كثر حديث الناس في هذه الأوقات عن قيام الساعة ونعلم اننا متفقون على أن هذه المسائل غيبية لايعلمها الا الله
لكن هناك من الاحاديث حول علامات الساعة وقيل ان لها علامات صغرى وكبرى.وكلنا نرى احداث العالم العربي وسقوط الحكام بشكل غير طبيعي. فما تفسيركم إذا أمكن؟
ومن جهة اخرى أتمنى ان تزيدونا من علمكم حول مسألة فلسطين والبحر الميت ولقد اوعد الله المسلمين بالنصر مرة اخرى على اليهود المحتلين
فاتمنى التفسير منكم بالتفصيل الممل جزاكم الله خير الجزاء
وشكرا لكم

الاسم: عبد الله

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أولا: التفصيل في أجوبة أبواب الفتاوى غير مستحسن، فهي ليست أبوابا للدروس والأبحاث العلمية.

ثانيا: وبمناسبة قولك (فاتمنى التفسير منكم بالتفصيل الممل) أقول: لقد نهانا الإسلام عن الإملال في العلم، لذلك كان حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يتخول الصحابة رضي الله عنهم بالموعظة مخافة السآمة كما أخبر سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا) متفق عليه. فإذا كان الواعظ هو سيد الوعّاظ وسيد المرسلين بل سيد الخلق أجمعين بأبي هو وأمي ونفسي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكان المستمعون هم الصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم ومع ذلك فإنه (عليه الصلاة والسلام) يخشى السآمة عليهم فما بالك بنا نحن؟!

ثالثا: أما بالنسبة للمسآئل الغيبية، أرى والله تبارك وتعالى أعلم أن نتعامل معها بما يلي:
وجوب الإيمان بها، فما صحّ سنده بما يتعلق بها وجب الإيمان به، تجسيدا لصفتنا التي ذكرها الله عز وجل في كتابه {الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} البقرة 1، 2، 3.

ينبغي ترك كيفيتها لله عز وجل، لأن الأمور الغيبية كيفياتها تتعدد وهي تختلف من عصر إلى عصر ومن حضارة إلى حضارة ولا نعلم متى تكون هذه الأمور الغيبية على وجه اليقين حتى نحدد كيفيتها.

علامات الساعة متنوعة، منها أمور تدل على تغير صيغة الحياة وأشكال الحضارة فهذه ليس لها تأثير علينا، كالإطالة في البنيان مثلا، فالإسىلام لم يذكر هذا من باب الذمّ وإنما من باب التعريف بقيام الحضارات، فهناك مجموعة من البشر بنوا الأهرامات وهذه حضارة ذلك الوقت، ونرى الآن يبنون أعلى برج في العالم كيف نصعد إليه وكيف نوفر وسآئل العيش الحديثة لساكنيه؟ كل ذلك يدلّ على نهوض حضارة بكل مقوماتها ووسآئلها ويدخل هذا البنيان من باب تعمير الأرض وهي من وظآئف خلافة الإنسان فيها كما قال الله تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يونس – عليه السلام – 14، وقال عز وجل {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} هود – عليه السلام – 61. فتكون هذه الأبنية أسبابا لعجآئب في الأرض قد تكون نادرة في أوقاتها كما هو الحال في برج خليفة وفقه الله تعالى لخدمة الخليقة فإنه يحوي على أعلى مسجد في العالم.

وهناك علامات تنبيء بل تحذر من مفاسد ستقع في آخر الزمان كشيوع القتل فينبغي علينا أن نتقي الوقوع فيها قدر استطاعتنا تحت أي مسمّى أو عذر كان.

وهناك من العلامات ما تحمل جوانب إيجابية تنتج عنها أحكامٌ شرعية كخبر ظهور سيدنا المهدي رضي الله عنه ومحاربته للفساد وإشاعته للعدل بين الناس، فيستوجب منّا أن نناصره ونجاهد معه باليد والفكر والعلم والمشورة إذا كنا من أحيآء ذلك الزمان ونعدّ أنفسنا لذلك.

ضرورة التوجه نحو الجانب العملي فيما يتعلق بالدار الآخرة، ولذلك حين جآء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يسئله عن الساعة لم يجبه جوابا مباشرا عما سأل ولكن قال له (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) متفق عليه.
فنحن نتعامل مع هذه النصوص وهذه الأسئلة بـ (ماذا أعددنا لها)؟  ماذا أعددتم أيها المسلمون لقيام الساعة؟ فنحن انشغلنا عن إعداد أنفسنا للساعة وعلاماتها بكلام وأسئلة من مثل:
كيف سيكون القتال بيننا وبين اليهود؟ ونحن بعضنا يقتل بعضا ويكيد بعضنا لبعض وفريق منّا يكفر فريقا! نعوذ بالله تبارك وتعالى من الضلال بعد الهداية (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ).

فبهذه الأمور الأربعة نكون قد وقفنا على الأرضية الإيمانية الصحيحة وتوجهنا إلى معالم الصراط المستقيم الواضح الذي بينه الله جل جلاله وعم نواله لنا في قوله تعالى {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام 153، وفي قوله عز وجل {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف – عليه السلام – 108.

وبالجملة فلا ينبغي أن نجعل الساعة وعلاماتها مادة لأحاديث سمرنا وشمّاعة نعلق عليها فشلنا ونكل أمورنا لها وكأننا غير مسؤولين أمام الخالق جل وعلا عن دورنا لنصرة الدين وتزكية أنفسنا وإعدادها الإعداد الصحيح لتلك الأيام.

والله سبحانه وتعالى أعلم.