2012/11/22

مشاركة فضيلة الأخ أحمد صبيح جزاه الله خيراً.

بسم الله الرحمن الرحيم

:: بحث في سجود القرآن ::

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الكلام في هذا الباب ينحصر في خمسة فصول: في حكم السجود، وفي عدد السجدات التي لها عزائم – أعني: التي يسجد لها – ، وفي الأوقات التي يسجد لها، وعلى من يجب السجود، وفي صفة السجود.
 
الفصل الأول: حكم سجود التلاوة:
فأما حكم سجود التلاوة: فإن أبا حنيفة – رحمه الله تعالى – وأصحابه قالوا: هو واجب، وقال مالك والشافعي – رحمهما الله تعالى – : هو مسنون وليس بواجب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في مفهوم الأوامر بالسجود، والأخبار التي معناها معنى الأوامر بالسجود، مثل قوله تعالى: { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } سورة مريم: آية 5؛ هل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب، فأبو حنيفة – رحمه الله تعالى – حملها على ظاهرها من الواجب ومالك والشافعي – رحمهما الله تعالى – اتبعا في مفهومها الصحابة إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية، وذلك أنه لما ثبت: أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قرأ السجدة يوم الجمعة، فنزل وسجد ، وسجد الناس فلما كان في الجمعة الثانية وقرأها، وتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، قالوا: وهذا بمحضر الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف، وهم أفهم بمغزى الشرع، وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي – إذا لم يكن له مخالف – حجة.
وقد احتج أصحاب الشافعي – رحمهم الله تعالى – في ذلك بحديث زيد بن ثابت – رضي الله عنه – أنه قال: كنت أقرأ القرآن على رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – فقرأت سورة النجم فلم يسجد ولم نسجد . (ينظر بداية المجتهد: ص186).
وكذلك أيضا يحتج لهؤلاء بما روي عنه – عليه الصلاة والسلام – : (أنه لم يسجد في المفصل) ؛ وبما روي( أنه سجد فيها)؛ لأن وجه الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكون السجود واجبا، وذلك بأن يكون كل واحد منهم حدث بما رأى، ومن قال: إنه سجد، ومن قال إنه لم يسجد.
وأما أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – فتمسك في ذلك بأن الأصل هو حمل الأوامر على الوجوب والأخبار التي تتنزل منزلة الأوامر.
وقد قال أبو المعالي – رحمه الله تعالى: إن احتجاج أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – بالأوامر الواردة بالسجود في ذلك لا معنى له، فإن إيجاب السجود مطلقا ليس يقتضي وجوبه مقيدا وهو عند القراءة – أعني : قراءة آية السجود – قال : ولو كان الأمر كما زعم أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – لكانت الصلاة تجب عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالصلاة، وإذا لم يجب ذلك فليس يجب السجود عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالسجود من الأمر بالسجود.
ولأبي حنيفة – رحمه الله تعالى – أن يقول: قد أجمع المسلمون على أن الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن هي بمعنى الأمر وذلك في أكثر المواضع، وإذا كان ذلك كذلك فقد ورد الأمر بالسجود مقيدا بالتلاوة – أعني : عند التلاوة – ، وورد الأمر به مطلقا فوجب حمل المطلق على المقيد ، وليس الأمر في ذلك بالسجود كالأمر بالصلاة، فإن الصلاة قيد وجوبها بقيود أخر، وأيضا فإن النبي – عليه الصلاة والسلام – قد سجد فيها؛ فبين لنا بذلك معنى الأمر بالسجود الوارد فيها – أعني : أنه عند التلاوة – ، فوجب أن يحمل مقتضى الأمر في الوجوب عليه.
الفصل الثاني: عدد سجدات التلاوة :
وأما عدد عزائم سجود القرآن: فإن مالكا – رحمه الله تعالى – قال في الموطأ: الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء .

وقال أصحابه:

أولها: خاتمة الأعراف.
وثانيها: في الرعد عند قوله تعالى:{بالغدو والآصال }.
وثالثها: في النحل عند قوله تعالى:{ ويفعلون ما يؤمرون }.
ورابعها: في بني إسرائيل عند قوله تعالى:{ويزيدهم خشوعا }.
وخامسها: في مريم عند قوله تعالى:{ خروا سجدا وبكيا }.
وسادسها: الأولى من الحج عند قوله تعالى:{ إن الله يفعل ما يشاء }.
وسابعها: في الفرقان عند قوله تعالى:{ وزادهم نفورا }.
وثامنها: في النمل عند قوله تعالى:{ رب العرش العظيم }.
وتاسعها: في{ الم تنزيل } عند قوله تعالى: {وهم لا يستكبرون}.
وعاشرها: في{ ص } عند قوله تعالى: { وخر راكعا وأناب }.
والحادية عشرة: في{ حم تنزيل } عند قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون}، وقيل : عند قوله: {وهم لا يسأمون } . (ينظر بداية المجتهد :ص186).
وقال الشافعي – رحمه الله تعالى – أربع عشرة سجدة : ثلاث منها في المفصل: في الانشقاق، وفي النجم، وفي سورة: { اقرأ باسم ربك }ولم ير في سورة {ص} سجدة لأنها عنده من باب الشكر.
وقال أحمد- رحمه الله تعالى – : هي خمسة عشرة سجدة ، أثبت فيها الثانية من الحج ، وسجدة سورة{ ص }.
وقال أبو حنيفة – رخمه الله تعالى -: هي اثنتا عشرة سجدة ، قال الطحاوي – رحمه الله تعالى – : وهي كل سجدة جاءت بلفظ الخبر.
والسبب في اختلافهم : اختلافهم في المذاهب التي اعتمدوها في تصحيح عددها، وذلك أن منهم من اعتمد عمل أهل المدينة، ومنهم من اعتمد القياس ، ومنهم من اعتمد السماع أما الذين اعتمدوا العمل فمالك وأصحابه – رحمهم الله تعالى – وأما الذين اعتمدوا القياس فأبو حنيفة وأصحابه – رحمهم الله تعالى -، وذلك أنهم قالوا: وجدنا السجدات التي أجمع عليها جاءت بصيغة الخبر ، وهي: سجدة الأعراف والنحل والرعد والإسراء ومريم وأول الحج والفرقان والنمل والم تنزيل، فوجب أن تلحق بها سائر السجدات التي جاءت بصيغة الخبر، وهي التي في{ ص } وفي ( الانشقاق )، ويسقط ثلاثة جاءت بلفظ الأمر وهي: التي في { والنجم } وفي الثانية من الحج وفي{ اقرأ باسم ربك الذي خلق }.
وأما الذين اعتمدوا السماع فإنهم صاروا إلى ما ثبت عنه – عليه الصلاة والسلام – من سجوده في الانشقاق وفي{ اقرأ باسم ربك } وفي { والنجم } خرج ذلك مسلم ، وقال الأثرم – رحمه الله تعالى – : سئل أحمد – رحمه الله تعالى – كم في الحج من سجدة ؟ قال سجدتان .

وصحح حديث عقبة بن عامر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – أنه قال : ( في الحج سجدتان )؛ وهو قول عمر وعلي – رضي الله عنهما – قال القاضي – رحمه الله تعالى: خرجه أبو داود .

وأما الشافعي:- رحمه الله تعالى – فإنه إنما صار إلى إسقاط سجدة { ص } لما رواه أبو داود – رضي الله عنه – عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن النبي – عليه الصلاة والسلام – ( قرأ وهو على المنبر آية السجود من سورة { ص } فنزل وسجد ، فلما كان يوم آخر قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال : إنما هي توبة نبي، ولكن رأيتكم تشيرون للسجود فنزلت فسجدت ) . وفي هذا ضرب من الحجة لأبي حنيفة – رحمه الله تعالى – في قوله بوجوب السجود، لأنه علل ترك السجود في هذه السجدة بعلة انتفت في غيرها من السجدات، فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها العلة بخلاف التي ثبتت لها العلة، وهو نوع من الاستدلال وفيه اختلاف، لأنه من باب تجويز دليل الخطاب.
وقد احتج بعض من لم ير السجود في المفصل بحديث عكرمة عن ابن عباس – رضي الله عنهما – خرجه أبو داود : ( أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – لم يسجد في شيء من المفصل منذ هاجر إلى المدينة ).

 قال أبو عمر – رحمه الله تعالى -: وهو منكر لأن أبا هريرة – رضي الله عنه – الذي روى سجوده في المفصل لم يصحبه – عليه الصلاة والسلام – إلا بالمدينة . وقد روى الثقات عنه : ( أنه سجد – عليه الصلاة والسلام – في{ والنجم }).

الفصل الثالث: وقت السجود:
وأما وقت السجود فإنهم اختلفوا فيه: فمنع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو مذهب أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الأوقات، ومنع مالك – رحمه الله تعالى – أيضا ذلك في الموطأ (ينظر بداية المجتهد :ص188) لأنها عنده من النفل، والنفل ممنوع في هذه الأوقات عنده.

وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر الشمس أو تتغير، وكذلك بعد الصبح، وبه قال الشافعي- رحمه الله تعالى -، وهذا بناء على أنها سنة، وأن السنن تصلى في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع.

الفصل الرابع: على من يتوجه سجود التلاوة:
وأما على من يتوجه حكمها ؟ فأجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان أو في غير صلاة.
واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا ؟
فقال أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – : عليه السجود، ولم يفرّق بين الرجل والمرأة .
وقال مالك – رحمه الله تعالى -: يسجد السامع بشرطين : أحدهما إذا كان قعد ليسمع القرآن، والآخر أن يكون القارئ يسجد، وهو مع هذا ممن يصح أن يكون إماما للسامع.

وروى ابن القاسم – رحمه الله تعالى – عن مالك – رحمه الله تعالى – أنه يسجد السامع ، وإن كان القارئ ممن لا يصلح للإمامة إذا جلس إليه .

الفصل الخامس: صفة سجود التلاوة:
وأما صفة السجود: فإن جمهور الفقهاء قالوا: إذا سجد القارئ كبر إذا خفض وإذا رفع، واختلف قول مالك – رحمه الله تعالى – في ذلك إذا كان في غير صلاة، وأما إذا كان في الصلاة فإنه يكبر قولا واحدا .

ومن أراد التوسع فليرجع الى كتاب للدكتور : ضیاء حمود خلیفة القیسي من محافظة الانبار اسمه (أحكام سجود التلاوة ) وهو موجود على الشبكة العنكبوتية من الممكن الرجوع له بشكل موسع وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولا تنسونا من صالح دعائكم والحمد لله رب العالمين.