<< السابق                    [الرئيسية ]                   التالي>>

المبحث الثالث

حقيقة الموت

الموت: ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار وهو من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة الموت في قوله {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} سورة المائدة / آية 106. فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى (التذكرة، جـ 1 ص 15) والذي تدل عليه الآيات والأخبار أن حقيقة الموت هو مفارقة الروح للجسد، وأن الروح تكون بعد ذلك باقية، إما معذبة وإما منعمة (مختصر منهاج القاصدين، ص 499).

والموت باب الآخرة وأول منزل من منازلها كتبه الله تعالى على الخلق أجمعين فقال سبحانه {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} سورة النساء / آية 78، وقال سبحانه {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة الجمعة / آية 8، وقال سبحانه {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} سورة آل عمران عليهم السلام / آية 185، وقال سبحانه {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} سورة الأنعام / آية 61، وقال سبحانه {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} سورة السجدة / آية 11، وقال سبحانه وتعالى {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} سورة الأحزاب / آية 16.

وقد أجمع علماء الإسلام على أن الموت حق وأنه باب إلى الدار الآخرة قال الشيخ محمد أمين الكردي في كتاب تنوير القلوب “ومما يجب اعتقاده أن الموت ينزل بكل ذي روح لقوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وقوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} والأحاديث في ذلك كثيرة، ولأنه من الجائزات عقلاً التي ورد بها الشرع فوجب اعتقادها” (تنوير القلوب للشيخ محمد الكردي، ص 53). وقال الإمام النسفي رحمه الله تعالى “والموت قائم بالميت. مخلوق لله تعالى لا صنع للعبد فيه تخليقاً ولا اكتساباً” (شرح النسفية في العقيدة الإسلامية، ص 116. وانظر متن العقائد النسفية، ص 109).

إذن فسبب الموت هو أن الله تعالى أراد ولا رادّ لحكمه {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سورة سيدنا يوسف عليه السلام / آية 21، أما الذين لا يؤمنون بالله تعالى ولا يقرون بصفاته ولا يؤمنون بالدار الآخرة فإنهم يحاولون أن يجعلوا من هذا الكون عالماً أبدياً لأفراحهم فبحثوا كثيراً عن أسباب الموت ليتمكنوا من الحيلولة دون وقوعها، من أجل تخليد الحياة، ولكنهم فشلوا وأخفقت دراساتهم بل توصلوا إلى ما يشبه اليقين بأنهم لن يظفروا بالخلود أبداً وهذا واضح فيما قاله الدكتور “ألكسيس كيرل” الذي بحث هذه المشكلة في مقال طويل تحت عنوان “الزمن الداخلي” فذكر الجهود المخفقة التي بذلت في هذا الصدد، ثم قال:

“إن الإنسان لن يسأم من البحث عن (الخلود) والسعي وراءه مع أنه لن يظفر به إلى الأبد، فتركيبه الجسماني يخضع لقوانين معينة، إنه يستطيع أن يوقف الزمن (الفسيولوجي) لأعضاء الجسد، حتى يؤخر الموت لفترة قصيرة، ولكنه لن يتغلب على الموت أبداً” (الإسلام يتحدى، ص 74).

وكثرت الأجوبة عن سبب الموت ولكنها انهارت أمام البحث والتمحيص ولم يبق إلا عجز الإنسان أمام تقدير الواحد الديّان سبحانه وتعالى، “فالموت سر من أخفى الأسرار، جعل الله ظواهره علانية من أجلى البديهيات، ولا نحتاج فيها إلى علوم ولا أديان، وإنما يموت كما نرى الإنسان، وفي حفير يوضع منه الجثمان، فإذا كنت ممن عقله في بطنه فهذه عنك هي النهاية، وفي الحفير لك من عقبال غاية، أما إذا كنت ممن عقله في رأسه فلا مصرف لك عن التفكر ثم التدبر ثم التفكير.

هي الأسرار بغية العاقل          ومبتغى المفكر الفاضل

وههنا خابت الحواس الظاهرة فلم تع غير الظواهر، وأصفت العلوم على مدارج المعرفة دون العوالي البواهر، فما بقي غير الدين، والمصدر الوحيد يؤخذ منه في منطق العقلاء العالمين والعلماء العاقلين، وهو الطريق إلى المعرفة حيث تعي سائر الطرائق – أما الموت فهو نهاية حياة فانية في كوننا هذا وبداية حياة باقية في كون آخر نعقله من هنا لكن لسنا نراه حتى نرحل إليه، وأما الملحد فيقول: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} سورة الأنعام / آية 29، وأما المؤمن فيقول: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} سورة غافر / آية 39 و 40″ (مجمع الأشتات، ص 148).

وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه:

جاءته من قبل المنون إشارة          فهوى صريعاً لليدين وللفم

ورمى بمحكم درعه وبرمحه          وامتدّ ملقى كالفتيق الأعظم

لا يستجيب لصارخ إن يدعه          أبداً ولا يرجى لخطب معظم

ذهبت بسالته ومرّ مرامه          لما رأى حبل المنية يرتمي

يا ويحه من فارس ما باله          ذهبت مروته ولما يكلم

هذي يداه وهذه أعضاؤه          ما منه من عضو غدا بمثلم

هيهات ما حبل الردى محتاجة          للمشرفيّ ولا اللسان اللهذم

هي ويحكم أمر الإله وحكمه          والله يقضي بالقضاء المحكم

يا حسرتا لو كان يقدر قدرها          ومصيبة عظمت ولما تعظم

خبرٌ علمنا كلّنا بمكانه          وكأننا في حالنا لم نعلم

(التذكرة، جـ 1 ص 16)


<< السابق
                    [الرئيسية ]                   التالي>>