2012/12/21

السؤال:

السلام عليكم سيدي حضرة الشيخ ورد في الحديث الشريف ”احثوا التراب في وجوه المداحين” فمن اخرج الحديث؟ و ما المقصود به.

جزاكم الله خيرا

 

الاسم: ابو ابراهيم

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

نص الحديث الشريف هو (إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ) الأئمة البخاري – الأدب المفرد – ومسلم وأحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي وآخرون رحمهم الله تعالى.

ونحن نفهم من عبارة (المداحين) المبالغة في المدح، أما (حث التراب) فليس هو المقصود بشكل حرفي بل هو كناية عن الزجر وتخييب الأمل، والأسلوب الكنائي مستعمل في لغة العرب، فقد شكى أحدهم إلى حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قآئلا (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) الأئمة مسلم وأحمد رحمهما الله تعالى.

وقال العلماء رحمهم الله تعالى أن المشمولين في هذا التوجيه النبوي الشريف هم الذين يبالغون في مدح أفراد بما ليس فيهم طمعا في مال أو جاه، أو مدح من ُيخشى عليه الفتنة من الغرور والعجب التي لا شك أنهن قاصمات للظهر.

وأمّأ من يمدح إنسانا صادقا في مدحه آمنا عليه من هذه الآفات فلا بأس به بل قد يكون هذا المدح مشجعا وحافزا له للمزيد من الخير، فأهل الحق ومنارات الهدى يجب أن يعرفوا ويشار إليهم كي يأخذوا بأيدي الناس إلى طريق النجاة من الفتن، فكما يجب أن يعرّف الناس بأهل الباطل والضلال ليحذروهم فكذلك يجب أن يتعرفوا على أهل الرشاد كي يقتدوا بهم.

قال الله جل وعلا {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} آل عمران – عليهم السلام – 188. فالمفهوم من الآية الكريمة أن الذم جاء لمن يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ومن مفهوم المخالفة كما يقول علمآء الأصول فإن الذين يحبون أن يحمدوا بما فعلوا لا يشملهم الذم الوارد سالفا مع إن المدح ليس مقصودهم بل رضا الله سبحانه ونشر الخير والفضيلة بين الخلق.

والحكم الشرعي لا يؤخذ بشكل قطعي من نص واحد ما لم يؤازره أو يشرحه نص شرعي آخر من كتاب أو سنة، فالمجتهد وهو الذي درس علوم الشرع وتبحر فيها وكانت له ملكة في الاستنباط هو الذي يقلّب النظر من خلال بصره وبصيرته في هدايات هذه النصوص ويخرج من خلالها بنتيجة فيها حكم الله عز وجل، فإن كانت صوابا فمن الله تعالى وإن كانت غير ذلك فله الأجر.

والمعلوم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يستمع إلى الخطباء والشعرآء بما يتضمن كلامهم من مدح لحضرته عليه الصلاة والسلام وللدين الخاتم ولعموم المسلمين، فلم يحثُ عليه الصلاة والسلام التراب في وجوههم أو ينهاهم عن ذلك بل امتدحهم وأيدهم فقد جآءت السير بأنه عليه الصلاة والسلام قد كسا سيدنا كعب بن زهير رضي الله عنه بردته حين أنشده القصيدة التي مطلعها بانت سعاد، وقد أثنى حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال (يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) متفق عليه. وشعره رضي الله عنه مليء بمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من ذلك قصيدته المشهورة والتي مطلعها:

                                                 أغَــرُّ، عَــلَيْهِ لِلــنُّبُــوَّة ِ خَــاتَــمٌ        مِـنَ اللَّهِ مَـشْهُـودٌ يَلُـوحُ ويُـشْـهَـدُ

                                                وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ        إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

ومن المعلوم والمشهور أن الإمام البوصيري رحمه الله تعالى قد تشرف بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام وتلا عليه قصيدته فألقى عليه الصلاة والسلام بردته الشريفة عليه فسميت ببردة المديح والمعلوم أن رؤية حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام حق فالشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام.

 وعلى ذلك يجب أن يأول الحديث الشريف بالمدح المذموم الذي يقلب الحقائق خاصة إذا مدح الإنسان بما ليس فيه، أو يبالغ في المدح بحيث يقترب من الكذب ويرفع الممدوح إلى منزلة لا يستحقها وهو ما يسمى في عرف الناس بالنفاق الإجتماعي.

والله سبحانه وتعالى أعلم.