السؤال:
شيخي المربي الشيخ سعدالله أحمد عارف حفظكم الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في مجلس يعقد عندنا وهم يقرؤن سورة الملك بصيغة جماعية وجدت أقوال للعلماء منهم العزبن عبدالسلام والشاطبي رحمهم الله تعالى، تقول إنّه لم يكن من شان السلف والعزلم يصرح بالمنع فهل تجوز قراءة القران بصورة جماعية وبصوت واحد جهرا وما دليله؟
وجزاكم الله سبحانه خيراً.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السّلام ورحمة الله تعالى وبركاته، آميـــن، وجزاك الله سبحانه خيرا.
لا بأس بذلك فهو اجتماع على خير، وفيه منافع عظيمة، منها تعلّم من لا يُحسن القراءة، والإعانة على حفظ هذه السورة المباركة التي قال عنها سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. فالإجتماع على التلاوة مطلوب بنصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة، منها:- قول الحق سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} فاطر 29. فتأمّل في لفظ يتلون كيف جاء بصيغة الجمع، وقال عز جلاله {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف 204. فإن لم تكن القراءة جهراً فكيف يكون الإنصات؟ فهي دليل الإجتماع والجهر بالتلاؤة، وقال حبيبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثُمّ هو اجتماع على ذكر الله عز وجلّ الذي هدت إليه نصوص كثيرة، منها قوله سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} الأحزاب 41. أيضاً بصيغة الجمع أُذكروا وقال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) فهل قراءة سورة الملك خارجة عن ذكر الله سبحانه؟ فلا أرى بهذا الإجتماع بأساً كما قلت فأقلّ ما يُقال فيه إنّه مباح، وأُحبُّ أن يُترك في بعض الأحيان حتى يعلم الناس أنّه ليس واجباً، وأنّ الأمر فيه سَعة والحمد لله تعالى، أمّا قول البعض أنّه ليس من شأن السلف ففيه نظر، لأنّه مردود بشواهد تدخله في عموم أحوالهم واجتماعهم على ذكره عز وجل، فانظر وتأمل زادك المنعم تعالى خيراً إلى هذه النصوص الشريفة:
(إن لله ملائكة فضلاً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالو تنادوا: هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم تعالى وهو أعلم بهم: مايقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال: فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله مارأوك، قال فيقول: كيف لو رأوني: قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تحميداً وتمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: فيقول: مايسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: فيقول: هل رأوها، قال: فيقولون ل: لا والله يارب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لوأنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليهم حرصا، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فيقول: فمم يتعوذون؟ قال: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لايشقى بهم جليسهم) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فقراءة القرآن الكريم فيها التسبيح والتحميد والتكبير كما هو معلوم.
(وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ رضي الله تعالى عنه عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: آللَّهِ تَعَالَى مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَلِكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، مَا كَانَ أَحَدٌ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ فَقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلامِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَقَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي أَسْتَحْلِفُكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ). الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ومنها: (تعالوا بنا نؤمن ساعة) هكذا كان يقول سيدنا عبد الله بن رواحة فيما يرويه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنهما في مسنده بسند صحيح. كان كلما رأى ثُلّة من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، قال لهم: (تعالوا بنا نؤمن ساعة) ولما بلغ ذلك حبيبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قال: رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي يباهي الله بها ملائكته، ثُمّ لم يرد نهي عن ذلك بل العكس هو الصحيح كما أسلفتُ، وأرجو مراجعة الجواب المرقم (1148) لمعرفة حكم المتروك بشيئ من التفصيل.
والله سبحانه أعلم.