2013/04/04
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل أطال الله عمرك و جعلك ذخراً لأمة سيدنا محمد صلى الله عليـه وسلم آمين.
سيدي أصبح اليوم الزهد مكروها في مجتمعنا، وإذا تحدثت عنه اشمأزّت النفوس!
فهل للزهد تعريف جديد مع هذه الحياة الجديدة الغريبة علينا، أو بالأحرى كيف يكون الزهد في زمننا هذا؟ وهل نستطيع أن نكون من الزهاد؟ أم أصبح رواية تحكى عن أسلافنا في الماضي؟
مع شكري وامتناني.
الاسم: suma
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عز وجل خيرا على دعواتك الطيبة وأدعوه تعالى أن ييسر لي ولكم خدمة دينه العظيم.
لا شك أن ظروف الحياة الدنيا متغيرة من وقت لآخر، وتتغير تبعا لذلك الكثير من الضوابط والأعراف والمفاهيم ومنها موضوع الزهد.
فحين كانت عامة دور الناس مبنية من اللبن أو الطين كان مفهوم الزاهد وقتئذ من يكتفي لسكنه بخيمة أو بما يسمى صريفة، وحين أصبحت الدور تبنى بالطابوق أصبحت صورة الزهد تتحقق بالسكن في بيت اللبن أو الطين.
ولكن هذا التصرف أصبح شبه مستحيل في هذا الزمان، فليس بوسع أحد أن يبني بيته من طين في وسط المدينة التي يعيش فيها لأن توفير هذه المادة وما يتبعها من لوازم والبحث عمن له خبرة في هذا النوع من البنآء قد يكلف أكثر من بنآئه بالشكل المعتاد، مع تعذر السماح له بالبنآء في وسط المدينة بهذا النوع الذي ينافي الحضارة الحالية وضوابط البنآء التي تلتزم بها المدن.
ويجب أن يفهم المسلم أن الزهد الحقيقي هو في تربية النفس على عدم تعلق القلب بمباهج الدنيا وتكالبه عليها. فديننا الحنيف يحث أتباعه على أن يكون مظهرهم جميلاً معتنين بنظافة أبدانهم وأجسامهم ومساكنهم مظهرين نعم الخالق عز وجل عليهم، قال ربنا عز وجل {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الأعراف 32.
فالعبرة كما أسلفت هو عدم تعلق القلب بهذه المظاهر الزآئلة وإنما يوطن قلبه ونفسه على التعلق بما عند الله تبارك وتعالى وتسخير نعم الحياة الدنيا في سبيل الوصول إلى مرضاة رب العزة جـل جلاله وعم نواله.
ومن القصص التي تدل على هذه المعاني العظيمة ما أورده شيخ الأزهر الأسبق فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله تعالى في كتابه (قضية التصوف في كتاب المنقذ من الضلال للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى) حكاية عن أحد مشايخ العراق عندما ذهب أحد تلامذته إلى المغرب فأوصاه بزيارة أحد الصالحين هناك وإيصال سلامه له والتماسه الدعآء، فلما ذهب وسأل عنه قيل له إن قصره في المكان الفلاني فتعجب أن يكون له قصرٌ، وحين وصل سأل عنه فقيل له إنه سيعود قريباً من زيارته للسلطان فزاد عجبه وهمّ بترك مقابلته لولا أمر شيخه بضرورة لقآئه، وحين عاد دخل عليه وأخبره أنه جآء من قبل شيخه فلان حاملا سلامه ورجآءه بالدعآء. فأكرمه ورحب به وقال له سأدعو له ولكن قل له: إلى متى تعلقه بالدنيا؟! فقال الرجل في نفسه (والله هذه أعجب مما سبق) وحين رجوعه إلى العراق أخبر شيخه بما رأى وسمع وحين أبلغه عن وصية الشيخ المغربي فيما يخص تعلقه بالدنيا بكى وقال: إن ما رأيته من مظاهر وغنى لم تجاوز يديه لتدخل قلبه، بينما وأنا أكابد ضيق العيش فلا زال قلبي معلقا في الدنيا ومباهجها ويحنّ إليها .
فلا حرج في الإكثار من الدنيا في الحدود الشرعية وهي أن يأخذها من الحلال وينفقها في طاعة الله عز وجل أو على الأقل في المباحات، واجتناب الإسراف لقوله سبحانه {….وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأعراف 31.
فالمال نعمة يمكن تسخيرها في طاعة الله سبحانه وفي سبيل إسعاد الناس وهدايتهم وتوفير العيش الكريم لهم وهو أفضل من أن يكون بيد الأشرار الذين يبذلونه في سبيل الغيّ والعدوان وسفك الدمآء والإفساد في الأرض.
وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه سلم (نعم المال الصالح للمرء الصالح) الأئمة البخاري – الأدب المفرد – وأحمد والحاكم رحمهم الله تعالى. وقال عليه الصلاة والسلام (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) متفق عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.