2013/04/25

السؤال:

السلام عليكم، أدعو من الله أنْ يثيبكم على هذه الإجابات.

شيخي أنا عاشق لله وبالتالي للذكر القلبي الله الله، هناك خواطر تنفذ إلى فكري أثناء الذكر القلبي أطردها وترجع ممّا تحول دون تحقيق اللذة في الذكر القلبي فلولاها لجلست فترة ربما من الليل وحتّى الصباح منشغلا بالذكر القلبي متلذذا فيه أفدني يا شيخ كلّ ما عندك من العلم في هذا المجال وسأدعو لك الله.

 

الاسم: عبد الله ابو احمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيرًا على دعائك وأرجو أنْ يكون لأصحاب الأسئلة نصيب من الأجر إذ هم السبب في نشر الخير بين الناس.

أدعو الله جلّ في علاه أنْ يثبتك على محبتك لله سبحانه وذكره، ومن الفطرة التي فطر الرب جلّ وعلا عباده عليها، عدم تمكّنهم من المداومة على الحال الواحدة في العبادة ومنها الذكر، قال عزّ من قائل:-

{— فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ —} [سورة البقرة: 185].

وقال سبحانه:-

{— عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ —} [سورة المزمل: 20].

ولهذا تغيّرت الأحكام بتغيّر الأزمان والأحوال.

وقد وضّح ذلك حضرة خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم، فعن سيّدنا حنظلة رضي الله تعالى عنه قال:-

(لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

ولكن على الذي يجلس للذكر أنْ يجاهد نفسه خلال الفترة المعقولة التي خصّصها تبعاً لظروفه فيبعد عنه كلّ ما يشغله عن ذلك، والأفضل له أنْ يكون الذكر في المسجد لقوله تعالى:-

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [سورة النور: 36 – 37].

أو في مكان بعيد عن الأصوات التي تعكّر صفو فكره وهذا ما أشار إليه حديث حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … ثم ذكر … وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) متفق عليه.

وأنْ لا يجعل موعدا أو عملا مهمّا يعقب الذكر كي لا يفكر فيه.

أمّا أنْ تتمنّى لو جلست من الليل إلى الصباح ذاكرا لله عزّ وجلّ فهذا لا يمكن أنْ يكون مقبولا إلّا في حالات قليلة، فالله جلّ جلاله وعمّ نواله سنّ لنا سننًا في الحياة وأمرنا أنْ نتّبعها، فعن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:-

(جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلـم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

 

ومع ذلك فينبغي للمسلم أنْ لا يغفل عن ذكر الله تعالى ومراقبته في حياته قدر الإمكان، فالذكر لا يقتصر على الجلسة التي ذكرتها، فالله عزّ وجلّ امتدح مَنْ يذكره على كلّ حال فقال سبحانه:-

{إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 190 – 191].

بل إنّ كلّ عمل في حياتك يمكن تحويله إلى عبادة لله عزّ شأنه تؤجر عليها وترفع بها درجتك عند ربك جلّ وعلا، فالطعام إذا سمّيت الله تعالى عند تناوله ناويا حفظ جسمك الذي هو أمانة لديك من خالقك سبحانه متقويا به على العبادة مختتما بالشكر والحمد يكون لك عبادة، وهكذا كلّ عمل مباح ينقلب إلى طاعة بالنية الصادقة.

قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ، تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَةُ أَهْلِهِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ عَبَّادٍ أَتَمُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ، زَادَ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ كَذَا وَكَذَا، وَزَادَ ابْنُ مَنِيعٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدُنَا يَقْضِي شَهْوَتَهُ، وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِلِّهَا أَلَمْ يَكُنْ يَأْثَمُ؟) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.