2013/05/05
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
من عادات الشعب الأذربيجاني المسلم والتي أصبحت بمثابة عرف” بين الناس هي اختطاف الشاب للبنت البكر (بموافقتها طبعا) لغرض الزواج ويكون ذلك في إحدى الحالتين إمَّا عند عدم موافقة ذوي البنت لطلب الزواج من ذلك الشاب لسبب ما أو عندما لا يتمكن الشاب من دفع نفقات تجهيز البنت لأهلها حسب عاداتهم فيقوم الشاب بخطف البنت والعقد عليها رسميا” في دائرة الحوال الشخصية ويقيم أهل الشاب عرسا” يدعى إليه الأقرباء والأصدقاء وبعد عدة شهور أو سنة أو أكثر تتم المصالحة بين أهل الشاب وأهل البنت وتعود صلة الرحم بينهما.
السؤال ما الحكم الشرعي لهذا النوع من الزواج؟
وما حكم الأولاد؟ وما الذي يجب عليه فعله من تزوج بهذه الطريقة؟
الاسم: طارق المشهداني
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
تعددت آراء الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ في اشتراط الوليّ لصحّة عقد النكاح فالجمهور أكّد عليه وعدّوه ركنًا، بينما السادة الأحناف رحمهم الله سبحانه ومَنْ وافقهم لم يشترطوه.
فذهبوا إلى جواز أنْ تليَ المرأة البكر عقد النكاح بنفسها بلا وليّ إلّا أنْ تكون صغيرة غير بالغة، واشترطوا في هذا النكاح أنْ يكون من تزوجَتْهُ كفْءً، فإنْ لم كذلك جاز للولي عندهم فسخ النكاح.
واستدلّ الفريق الذي اشترط الوليّ بأدلة، منها قول الله تبارك في علاه:-
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ —} [سورة البقرة: 232].
وقوله:-
{— فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ —} [سورة النساء: 25].
وقوله عزّ وجلّ:-
{الرِّجَالُ قَوَّامُوْنَ عَلَى النِّسَاءِ —} [سورة النساء: 34].
وقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ، وَقَالَ مَرَّةً: فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
والسادة المالكية رحمهم الله تعالى مع كونهم اشترطوا الوليّ في عقد النكاح إلّا أنّهم بينوا أنّ العقد إذا تمّ بلا وليّ يبقى موقوفًا على موافقته إلّا إذا طالت المدّة وأنجبت المرأة فعند ذلك لا يحق للوليّ أنْ يفسخ العقد.
أمّا بقية الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، مع كونهم يشترطون الوليّ إلّا أنّهم يدرؤون عن الزوجين الحدّ لوجود العقد والشهود والمهر، ويُثبتون لها مهر المثل، وينسبون الأولاد لأبيهم، لكنّهم يعتبرون العقد لاغيًا ويفرّقون بين الزوجين، فإذا رضي الوليّ أعادوا العقد من جديد.
وقد استند السادة الأحناف رحمهم الله تعالى ومَنْ وافقهم على عدم اشترط الوليّ على أدلة منها:-
قول الله جل وعلا:-
{— حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ —} [سورة البقرة: 230].
وقوله سبحانه:-
{— فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ —} [سورة البقرة: 232].
وقوله عزّ شأنه:-
{— فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ —} [سورة البقرة: 234].
أضاف العقد إليهنّ في هذه الآيات الشريفة فدلّ أنّها تملك المباشرة.
ومنها قول سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا) الإمام مسلم رحمهم المنعم جلّ وعلا.
وما جاء أن امرأة زوجت ابنتها برضاها فجاء أولياؤها فخاصموها إلى سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه فأجاز النكاح.
ومع كون العقد بلا وليّ عند السادة الحنفية جائزًا ولكن يجب أنْ يفهم أنّ هذا الرأي ليس على إطلاقه إذ هو ضروري عند تعسّف وليّ البنت في زواجها.
أمّا أنْ يتحوّل الأمر إلى ظاهرة بحيث تتفق البنت مع رجل للهروب من بيت وليّها فهذا مناف للفطرة السليمة، ولِمَا أكّدت عليه الشريعة الغرّاء من طاعة وليّ الأمر خاصّة إذا كان الوالدين، إضافة إلى أنّ مثل هذه العادات والأعراف تبقى مستهجنة عند الناس، وتحصل بسببها الخلافات وقطيعة الرحم بين البنت وأهلها، وربما تتورط المرأة برجل غير كفىء لها فلا تحصل الموافقة في العيش بسبب فوارق العادات والعلم والعيش الرغيد.
أمّا إنْ أصبحت ظاهرة شائعة كما جاء في سؤالك فلا فتوى في هذه الحال إلّا برأي الجمهور رضي الله تعالى عنهم وعنكم درءًا للمفاسد.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.