2013/05/12

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله ورعاكم شيخي بالنسبة للتسابيح باليد أم باليدين وهل يكون بالأنامل أم بالعقد والسلامى من باطن اليد أم ما بين العقد وأنا أعلم أنّ هذا من الهيئات ولكن أحبّ معرفة الهيئة المأثورة وجزاكم الله خيرا شيخي العزيز.

 

الاسم: سعد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله سبحانه خيرا على دعآئك ولك بمثله.

من الضروري أنْ نُشير إلى أنّ الإقتداء بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لا يقتصر بالأقوال والأفعال بل يجب الإقتداء بحضرته بأحواله أيضا ونقصد بذلك صدقه وإخلاصه وتواضعه وزهده إلى غير ذلك من الأحوال والمعاني العظيمة التي كان قلبه الشريف يحويها، وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى {لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب/21]، فالآية الكريمة ذكرت خصلتين في مقام الإقتداء والتأسّي وهما: التعلّق باليوم الآخر والاستعداد له، وذكر الله تعالى الذكر الكثير، وعليه فيجب على المسلم تتبّع المسائل المهمّة التي لها تأثير إيجابي فاعل في حياته ومجتمعه، ولا يعني هذا التقليل من شأن هذه الهيئات نعوذ بالله تبارك وتعالى من ذلك فهي مباركة وعظيمة إلا أنّ مراعاة الأولويات من سنّة الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.

أمّا بخصوص السؤال فالمسألة من مسائل الخلاف بين العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم وفيها أقوال تعتمد كلّها على نصوص واردة فلا بأس باستخدام اليدين في التسبيح فالأمر فيه سعة والحمد لله ربّ العالمين.

ومِمّا يؤسف أنْ نسمع في هذا الزمان منْ يقول: إنّ التسبيح ينبغي أنْ يكون باليد اليمنى فقط مستدلين على ذلك بما روي عن سيّدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: [(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح) قال ابن قدامة: بيمينه] الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وهذا الأمر يقتضي توضيح هذه المسألة وفق النقاط التالية:

1- قوله في الحديث الشريف (بيمينه) من كلام الإمام محمد بن قدامة وهو شيخ الإمام أبي داود رحمهما الله تعالى وليس من حديث سيّدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما وهي زيادة تفرّد بها دون غيره ممّن رووا هذا الحديث الشريف وهم كثير وكلهم لم يذكروا هذه الزيادة بل قال بعضهم (يعقد التسبيح) وأضاف البعض الآخر كلمة (بيده).

2- كلمة (بيده) اسم جنس يدخل فيه اليد اليمنى واليسرى، لكنْ يُستحب البدء باليمين   لِمَا روت أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها (كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره وفي شأنه كله) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

3- ورد في هذا الموضوع أيضا قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (يا معشر النساء اعقدن بالأنامل فإنهنّ مسئولات مستنطقات) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وهذا الحديث الشريف يدلّ دلالة واضحة على أنّ الأعضاء المستعملة في طاعة الله تبارك وتعالى ستشهد لصاحبها شهادة ينتفع بها يوم القيامة، وهذا يقتضي بالضرورة أنْ يكثر العبد من عدد الشهود له في ذلك اليوم العصيب، ومنْ يدري فلعلّ نجاته تكون بها، فاقتصار العبد على اليد اليمنى في التسبيح تقليل لعدد الشهود له.

4- إنّ المفهوم الذي يحمله الكثير من الناس عن اليد اليسرى لا يتناسب أبدا مع أصل تسميتها بذلك، قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره (اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة: اليَسار لأنه يسهل به الأمور، واليد اليسرى قيل: تلي الفعال باليُسْر، وقيل: إنه يتسهّل الأمرُ بمعونتها اليمنى)، وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره أيضا (وسمّيت اليد اليسرى تفاؤلا، أو لأنّه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى).

5- إنّ اليد اليسرى نعمة من نعم الله تعالى الجليلة التي ينبغي أنْ يكون لها حظها ونصيبها من طاعته عزّ وجلّ وإلا ستكون حجة عليه لا له، وفي هذا خسارة وندامة، لا سيما وقد ذكر سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم مشاركتها في عبادة عظيمة لا تخفى مكانتها على المسلمين وهي السجود فقال (أمرتُ أنْ أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده على أنفه – واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وقوله (ولا نكفت أي لا نكفّ).

والله سبحانه وتعالى أعلم.