2013/05/13

سؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أحمل إليكم قبل كلامي سلامى محملا بأطيب العطور وأذكى الروائح وأطيب العبارات وأفضل ما قيل منذ بدء الخلق حتى قيام الساعة، أهديكم (الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله حبيبنا ومولانا المصطفى محمد)

في نهاية هذا العام الدراسي رغبت في عمل كشف حساب لنفسي عمّا حدث لي هذا العام الصعب ويشهد الله على أنّه كان عاما صعبا جدّا لم يساعدني على مصائبه إلّا الله ورسوله ثمّ أبي وأمي ولا أنسى أبدا دعواتكم الصالحة يا شيخي الفاضل فقد أكرمني الله بالتواصل معكم والاستماع لنصائحكم ودعواتكم ونصائح الأخ حسين بارك الله فيكم وفيه ولكل القائمين على الموقع

ومن أسئلتي:

هل كره الإنسان للمعصية وعدم إيجاد لذة لها دليل على حب الله للعبد؟

هل مقاومة النفس وشهواتها بالرغم من ضعف وذلة الإنسان دليل على قبول التوبة؟

أرجوكم بالرد على أسئلتي في أقرب وقت.

 

الاسم: امة الله

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الباري سبحانه كلّ خير على كلماتك الطيّبة المباركة ودعواتك المخلصة، وأدعو الله جلّ وعلا لك ولجميع بنات المسلمين بالستر والتيسير، وأن يمنّ عليهنّ بزوج صالح وزواج مبارك.

التوبة إلى الله تعالى واجبة على العبد المسلم، قال عزّ وجلّ:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً ‌نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ —} [سورة التحريم: 8].

وشروط التوبة النصوح:-

الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه.

فإنْ كان الذنب متعلقا بالعباد وجب التحلّل منه وإبراء الذمّة بإرجاع الحقّ أو بعفو صاحب الحقّ عنه، وتجب المبادرة في التوبة لأنّ الله جلّ في علاه يحبّها ويقبلها ويحب صاحبها.

قال تعالى:-

{— إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ‌الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة: 222].

وقال أيضا:-

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ ‌يَقْبَلُ ‌التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة التوبة: 104].

وقال سبحانه:-

{وَهُوَ الَّذِي ‌يَقْبَلُ ‌التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [سورة الشورى: 25].

وقال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(‌لَلَّهُ ‌أَشَدُّ ‌فَرَحًا ‌بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

ولقد دعا الله تعالى عباده إلى عدم اليأس من رحمته والمبادرة بالرجوع إليه فقال عزّ من قائل:-

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ‌لَا ‌تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].

وكما أنّ مغفرة الذنوب من صفات الربّ جلّ وعلا فإنّ الذنب من صفات العبد؛ قال حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‌لَوْ ‌لَمْ ‌تُذْنِبُوا ‌لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فيما يحكي عن ربه عزّ وجلّ (أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ ‌مَا ‌شِئْتَ ‌فَقَدْ ‌غَفَرْتُ ‌لَكَ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

وهذه الأحاديث المباركة ترغيب في التوبة والإسراع بها وليست مدعاة للإصرار والتسويف والاستخفاف، فلا يدري العبد لعلّ المَنيّة تُدركه وهو قائم على المعصية والعياذ بالله تعالى وعندها سيبعث عليها لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(‌يُبْعَثُ ‌كُلُّ ‌عَبْدٍ ‌عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

ومن علامات قبول التوبة: انشراح الصدر، والإقبال على الطاعة، والتوفيق في الأعمال كافة؛ قال جلّ ذكره:-

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‌فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 97].

ومن توفيق الله تعالى لعبده أنْ يعينه على نفسه ويقويه على مخالفتها والأخذ بزمامها إلى حياض الطهر والتزكية، قال عزّ من قائل:-

{— وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ‌مَا ‌زَكَى ‌مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 21].

ولمحبة الله تعالى لعبده علامات كثيرة منها:-

التوفيق إلى المبادرة بالتوبة، والهمّة في الطاعات ومحبتها، واجتناب المنكرات وبغضها؛ قال تعالى:-

{— وَلَكِنَّ اللَّهَ ‌حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سورة الحجرات: 7].

ومن التوفيق العظيم أنْ يهدي الله تعالى عبده إلى الأعمال الصالحة التي تكون سببًا لمحبته تبارك في علاه ككثرة ذكره، والتقرب إليه بالنوافل؛ قال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ‌فَقَدْ ‌آذَنْتُهُ ‌بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وكذا محبّة المسلم لإخوانه وزيارتهم والتحبّب إليهم بالمعونة والهبة والهدية؛ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فيما يحكي عن ربه جلّ جلاله في الحديث القدسي:-

(‌وَجَبَتْ ‌مَحَبَّتِي ‌لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

ومن أكبر علامات محبة الله تعالى لعبده محبة العبد لرسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين، واتّباع نهجه القويم، كذا محبة آله وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؛ قال الحقّ جلّ جلاله:-

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ‌يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 31].

وقال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(أَحِبُّوا اللهَ لِمَا ‌يَغْدُوكُمْ ‌مِنْ ‌نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

ومن علامات محبة الله عزّ وجلّ أيضًا: هداية عبده لسلوك طريق العلم ومحبّة الأولياء والعلماء الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والتواصل معهم فهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ‌عَلَى ‌سَائِرِ ‌الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.