2013/05/14
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لا يسعني إلا أن أقول:
سجدت بحور العلم في محرابكم
والمجد وافاكم إلى أوطانكم
عبدّتمُ درب الصلاح العلى
ركناالشريعة والحقيقة فيضكم
وبعد: سؤالي سيدي الكريم يتعلق بالتعامل بين الدول والحكومات والمنظمات ذات الطابع الدولي، فهل يجوز شرعاً لبلد من بلاد المسلمين إقتراض الأموال من الدول الأخرى أو المصارف العالمية، مقابل فوائد مالية يجري الإتفاق عليها بين الطرفين. لاشك ان تلك الاموال تصرف في أبواب إدارة الدولة والمشاريع الخدمية، لضرورات آنية او مستقبلية. فهل هامش الفائدة في تلك الاموال يُعد رباً يأثم به الموظفين الساعين لتحصيل تلك القروض، إذا ما تطوعوا واجتهدوا ضمن مضمار وظائفهم لتسهيل حصول البلد المسلم على تلك القروض.. أفتونا سيدي فكلنا ثقة بانكم تنهلون من منهاج النبوة العظيم، وتمثلون عروة الله الوثقى الى يوم الدين.
محب لجنابكم
الاسم: جاسم محمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله عز وجل فيك على كلماتك ومشاعرك الطيبة وحسن ظنك بالفقير، وأرجوه سبحانه أن أكون عند هذا الظن وييسر لي خدمتكم.
لقد كانت أمة الإسلام أمة قوية قي الجوانب كافة ومنها الجانب المادي، وهذا من مقتضيات قوله تعالى {وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة…} الأنفال/60. فمن واجب الأمة أن تكون غنية تكفي أبناءها بل تساعد الشعوب الأخرى فهذا سبيل من سبل الدعوة إلى الله تعالى ؛ ألم يجعل الله تعالى أحد مصارف الزكاة للمؤلفة قلوبهم؟ قال تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله فريضة من الله والله عليم حكيم} التوبة/60.
ولقد عاشت أمتنا عصورا ذهبية حين أعتزت بدينها واعتصمت بشريعتها الغراء ففاض حينها المال حتى استغنى عنه الناس ولم يكن وقتئذ ثمة نفط أو غاز، أما اليوم مع كل الاسف تحيا أمة الإسلام في عوز إقتصادي شديد مما جعلها تابعة على نحو أو آخر للدول الأجنبية التي لا تدفع المال والمعونات غالبا إلا بعد ضمان الحصول على تنازلات خطيرة تصل إلى حدود المساس بالعقيدة.
ولخطورة هذا الأمر ينبغي على الدول الإسلامية الابتعاد عن الانخراط في فلك التبعية الاقتصادية، فالاستقلال الاقتصادي صورة من صور الاستقلال المكمل للاستقلال السياسي الكامل للدول الإسلامية وشعوبها؛ ولقد سعى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين شرف المدينة المنورة لأن يكون للمسلمين سوق خاص بهم بعد أن رأى أن اليهود قد تحكموا بالسوق على وفق أهوائهم ؛ فاختار للمسلمين سوقا ووضع قواعده المضبوطة على وفق شريعة الإسلام المباركة.
ولقد سبق لي أن أجبت بعض الأخوة السآئلين عن حكم الإقتراض من البنوك الربوية في حال الإضطرار، وقد بينت لهم حرمة الإقتراض من هذه البنوك إلّا في حال الضرورة القصوى التي تقدر بقدرها على أن لا تتجاوز الحاجة الملجئة لذلك، فإن كان هذا الأمر بالنسبة للأفراد على هذا التحريج فيكون الحال بالنسبة للدول أضيق سبيلا، لأن الدول مهما كان فقرها تستطيع تسخير الموارد والطاقات وسنّ القوانين بما ينمّي مواردها ويلهم مواطنيها كي يدفعوا بلدهم إلى طريق النمو والإزدهار.
ولقد بينت لنا التجارب أن أعظم ثروة منّ الخالق تبارك وتعالى على البشر هي عقولهم، فكم من دول حباها الله سبحانه بثروات معدنية وطبيعية وأراض شاسعة ومياه عذبة تستدين وتطلب المساعدات المادية والغذآئية والعلمية من دول لا تملك من هذه الثروات شيئا سوى عقول أبنآئها وعزيمتهم ومثابرتهم وإخلاصهم في عملهم. وأرجو مراجعة أجوبة الأسؤالين المرقمين (29، 47).
ومن الجميل أن يسعى الموظف المسلم لخدمة بلده ومحاولة مساعدته في كل ظروفه فهذا واجبه الشرعي والوطني، ومن واجبه في هذا المجال السعي إلى حل المشكلات الاقتصادية من جذورها والسعي إلى التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية التي حباها الله تعالى بكل مقومات الغنى فهي غنية بالموارد البشرية والطبيعية والصناعية وهذا العمل من أهم واجبات العصر.
والله سبحانه و تعالى أعلم.