2013/05/15

السؤال:

حضرة شيخي العزيز الدكتور سعدالله المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أدعو الله تعالى أن يرعاكم في حلّكم وترحالكم وأن يمن علينا في دنيانا بأنفاسكم وتوجهاتكم وينفعنا من بركات علومكم الشريفة وأن يجمعنا بكم في مستقر رحمته وبجوار الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وتحت خيمته إنه تعالى على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

شيخي الفاضل الكريم،

سؤالي عن الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: ” اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح.

1- لماذا خص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (السلام دون الصلاة) بقوله: فليسلّم على النبي صلّى الله عليه وسلّم …؟

2- هل معنى تخصيص السلام أن نعتقد بحضور روحه الطاهرة الزكية صلّى الله عليه وسلّم في كل مسجد فنتأدّب بما أمرنا الله تعالى تجاهه ومن ذلك عدم رفع الأصوات خشية إحباط الأعمال؟

3- ماذا عن بعض المصلّين الذين يبادر أحدهم وهو داخل من باب المسجد فيرفع صوته بالسلام على الحاضرين ويحرص على أن يصل صوته للجميع ليتلقى الردّ من البعض الآخر؟

 

بارك الله تعالى بكم سيّدي ولا تنسونا في دعائكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الاسم: عبدالعزيز/ أبو عمر

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عز وجل خيرا على مشاعرك الطيبة المخلصة ودعواتك المباركة وأسأله سبحانه أن يجعل لك ولجميع من يقرأها النصيب الأوفر منها.

الأذكار الواردة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخول المسجد كثيرة ومتعددة الصيغ جمعها الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار في باب ما يقوله عند دخول المسجد والخروج منه، ومختصر مجموعها الذي استحبه الإمام النووي رحمه الله تعالى أن يقول ((أَعُوذ بِاَللَّهِ الْعَظِيم وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم وَسُلْطَانه الْقَدِيم مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسْمِ اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَاب رَحْمَتك). وَفِي الْخُرُوج يَقُولهُ، لَكِنْ يَقُول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك مِنْ فَضْلك)).

أما ما ورد في سؤالك بتخصيص صيغة السلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه  وسلم هو حضور روحه الطاهرة في كل مسجد فلم يقل بذلك أحد من العلماء رحمهم الله تعالى، ولكن ينبغي على من يسلّم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخول المسجد أو حتى في صلاته عند التحيات ويقول (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) أن يستحضر حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه كأنما يخاطبه وهو أمامه. ولقد ذكر ذلك الشيخ ابن تيميه رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في شرحه لحديث الأعمى في قوله «يا محمد يا نبي الله» قال (هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب الشهود بالقلب: كما يقول المصلي: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصور في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب) انتهى.

وينبغي على الداخل إلى المسجد أن يبتدئه بالتحية وهي الركعتان إذا كان الوقت ليس منهيا عن الصلاة فيه، ثم بعد ذلك يسلم على الناس.

لأن في تحية المسجد حقا لله تبارك وتعالى وهو مقدم على حق الخلق، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) متفق عليه. وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ  حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) الأئمة الترمذي وابن حبان وابن أبي شيبة رحمهم الله تعالى. ففي هذا الحديث الشريف تأكيد على أن تحية المسجد مقدمة على تحية الحاضرين في المسجد.

والأولى للداخل إلى المسجد أن لا يلقي السلام على جميع من فيه، لأن منهم إن لم نقل جلّهم مشغولون بالذكر وقرآءة القرآن، والقاعدة الأصولية الفقهية تقول (المشغول لا يشغل) ومن هنا يجب تثقيف المسلم أنه إذا دخل المسجد ووجد حلقة للذكر أو العلم أن لا يسلم عليهم كي لا يقطع عليهم ما هم فيه بل ينظم إليهم. فعن سيدنا أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال (بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:  أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) متفق عليه، فإذا أراد أن يسلم فليسلم على من يليه، ولكن إذا سلم الداخل فالواجب رد السلام ولو من شخص واحد وبصوت خفيض حتى لا يؤثر على الباقين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.