2013/05/19
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
سيّدي حضرة الشيخ سعدالله، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أن تكون بصحة وعافية.
سيدي لدي سؤال:
هل يجوز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة فيما إذا الخطيب ذكر أسمه أو حديثه عليه الصلاة والسلام؟
كما هل يجوز الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أثناء الصلاة الجهرية فيما إذا الإمام تلا آية فيها اسمه عليه الصلاة والسلام؟
جزاكم الله تعالى عنا وعن أمة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام خير الجزاء.
الاسم: ابو فائق
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعائك ولك بأفضل منه وأسأله سبحانه أنْ يحفظكم ويرعاكم.
لقد وردت النصوص من الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة في وجوب وفضل الصلاة على حضرة خير البرية صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في كلّ الأوقات وخصوصا يوم الجمعة، قال ربنا تبارك في علاه:-
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [سورة الأحزاب: 56].
والأمر في الآية الكريمة للوجوب، وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) الإمام والنسائي رحمه الله جلّ وعلا.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
وليوم الجمعة مزية في الإكثار من الصلاة السلام عليه، لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ يَقُولُونَ: بَلِيتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
هذا بشكل عام، أمّا أثناء الخطبة يوم الجمعة فقد تعدّدت آراء الفقهاء رحمهم الله تعالى فيها:-
1- قال السادة الحنفية ومَنْ وافقهم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم:-
(وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ يُكَبِّرُ الْقَوْمُ مَعَهُ وَإِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي النَّاسُ فِي أَنْفُسِهِمْ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَسُنَّةِ الْإِنْصَاتِ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/226).
(وَكَذَا فِي الخُطْبَةِ يُنْصِتُ وَيَسْتَمِعُ وَإِنْ صَلَّى الْخَطِيبُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ الْخَطِيبُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، فَيُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/132).
2- وقال السادة المالكية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْهَرُ أَوْ يُسِرُّ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/ 176).
3- وقال السادة الشافعية ومَنْ وافقهم رضي الله عزّ وجلّ عنهم وعنكم:-
(وَلِلْمُسْتَمِعِ (لِلْخَطِيبِ) أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ قَرَأَ الْخَطِيبُ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب: 56]، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الرَّفْعُ الْبَلِيغُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/270).
وقال بعضهم:-
(وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ قَهْرِيٌّ وَرَفْعُ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عِنْدَ ذِكْرِ الْخَطِيبِ لَهُ) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (2/454).
4- وقال السادة الحنابلة ومَنْ وافقهم رضي الله عنهم تعالى وعنكم:-
يُبَاحُ الْكَلامُ إذَا شَرَعَ الْخَطيبُ في الدُّعَاء لأنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَرَغَ منْ أَرْكَان الْخُطْبَة، وَالدُّعَاءُ لا يَجبُ الإنْصَاتُ لَهُ، وَلَوْ في دُعَاءٍ غَيْر مَشْرُوعٍ، وَتُبَاحُ الصَّلاةُ عَلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ إذَا ذُكرَ فَيُصَلّي عَلَيْه سرًّا، كَالدُّعَاء اتّفَاقًا، وَلَهُ الصَّلاةُ عَلَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ إذَا سَمعَهَا وَيُسَنُّ سرًّا لئَلا يُشْغَلَ غَيْرَهُ بجَهْره.
(وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ذُكِرَ) فَيُصَلِّي عَلَيْهِ (سِرًّا، كَالدُّعَاءِ اتِّفَاقًا، — وَفِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: وَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَمِعَهَا وَيُسَنُّ سِرًّا) كشاف القناع عن متن الإقناع (2/48).
والذي أرجّحه:-
هو أنّ الصلاة على النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عند وجود سببها مشروعة والأحسن أنْ تكون سرًّا، وليس هذا من قبيل اللغو إذا ما تكلّم سرًّا لعدم خروجه عن الإنصات المطلوب شرعًا، وإنّما رجّحت هذا لما فيه من الجمع بين امتثال الأمر بالإنصات، والأمر بالصلاة على النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام عند ذكر اسمه الشريف مع عدم التشويش على المصلين، وبهذا يتحقّق التوفيق بين الأدلة المتعارضة، والجمع بينهما أولى من إهمال أحدهما والعمل بالآخر على ما قرّره علماء أصول الفقه رضي الله جلّ في علاه عنهم وعنكم.
أمّا بالنسبة للصلاة والسلام عليه (عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام) أثناء الصلاة:-
فقد قال السادة الحنفيّة ومَنْ وافقهم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم:-
تبطل الصلاة إذا كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لسماع ذكره؛ لا إنْ كانت ابتداء، ففي فتح القدير للإمام ابن الهمام الحنفيّ رحمه الله تعالى:-
(وَلَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِسَمَاعِ ذِكْرِهِ تَفْسُدُ لَا ابْتِدَاءً) فتح القدير (1/402).
وهذا فيه نظر لعدم الفرق بين كونها لسماع أو ابتداء.
وقال السادة المالكية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم بجوازها لكن تكون سرًّا مع عدم الإكثار منها.
قال الإمام الباجي رحمه الله عزّ شأنه:-
(وَلِأَنَّ إجَابَتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَذْكَارِ الَّتِي لَا تُنَافَى بِالصَّلَاةِ بَلْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا سَمِعَ الْمَأْمُومُ ذِكْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ لِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى النَّاسِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يُكْثِرُ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ عَنْ صَلَاتِهِ) المنتقى شرح الموطأ (1/154).
وقال السادة الشافعية ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
إنّها تسنّ، ففي حاشية قليوبي:-
((تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ رُكْنًا تَارَةً كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَبَعْضًا تَارَةً كَالْأَوَّلِ (التَّشَهُّد الأَوَّل)، وَسُنَّةً تَارَةً عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ، وَمَكْرُوهَةً تَارَةً كَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَحَلِّهَا) (1/227).
وقال السادة الحنابلة ومَنْ وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم ما ذكره الشيخ ابن القيم رحمة الله سبحانه عليه:-
(فَصْلٌ: المَوْطِنُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فِي الصَّلَاة فِي غَيْر التَّشَهُّدِ.
بَلْ فِي حَالِ الْقِرَاءَة إِذَا مَرَّ بِذِكْرِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيّ} [سورة الْأَحْزَاب: 56]، الْآيَة، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ، قَالُوْا: مَتَى مَرَّ بِذِكْرِهِ فِي الْقِرَاءَة وَقَفَ وَصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مَنْصُوْرٍ عَنْ هِشَامِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِذَا مَرَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَقِفْ وَلْيُصَلِّ عَلَيْهِ فِي التَّطَوُّعِ.
وَنَصَّ الإِمَامُ أَحْمْدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا مَرَّ الْمُصَلِّي بِآيَةٍ فِيْهَا ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ كَانَ فِيْ نَفْلٍ صَلَّى عَلَيْهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جلاء الأفهام (ص: 437).
وما رجّحته في المسألة الأولى أرجّحه هنا أيضًا لأنّ الصّلّاة والسَّلام على سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم شرعت في الصلاة، فَرضًا كانت أو نفلًا كما هو معلوم، وذلك في التشهّد الأوّل والأخير، ثمّ عملا بالنصوص التي وردت والتي سبق ذكر بعضها في مقدّمة الجواب.
والله تبارك اسمه أعلم بالصواب.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.