2013/05/22

السؤال:

سيّدي حضرة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أدعو الله جلّ جلاله وعمّ نواله بأسمائه الحسنى أنْ يحفظكم ويتولاكم وينفعنا بمحبتكم ولا يحرمنا من توجّهاتكم وإرشاداتكم ويجمعنا بكم ولا يحرمنا من تقبيل أيديكم إنّه نعم المولى ونعم النصير.

سيّدي عندما قرأت جوابكم الشريف لسؤال الأخ يسأل عن النصيحة والعمل المطلوب منا في هذه الظروف التي تمر بها بلدنا وقد أجبتم بأنّ (واجب الوقت هو العمل على إقامة دار الإسلام بالوسائل التي عمل بها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأنّ هذا العمل حكم شرعي ينبغي على المسلمين أنْ يضبطوه بضوابطه الشرعية)

سيّدي نسأل من حضرتكم أنْ تبيّن لنا هذه الوسائل لكون العمل بها من الأحكام الشرعية.

أسأل الله أنْ يحفظكم وينصركم وينفع المسلمين من علومكم وإرشاداتكم وتوجهاتكم وألتمس وأرجو عفوك سيّدي إنْ كنت قد أسأت الأدب ولله الحمد أنْ عرّفنا بكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الاسم: موفق سعد الله يوسف

 

الرد:-

وعليكم السّلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

آمين وجزاك الله سبحانه كلّ خير، اللهمّ اجعلني خيرا ممّا يظنون واغفر لي ما لا يعلمون إنك غفور رحيم، وأُشهدك ربي أنّي أقبّل أياديهم وأقدامهم وأتمنّى كلّ خير لهم فاغفر لهم وأسعدهم إنّك على كلّ شيء قدير.

شريعة الإسلام تقسّم الدول من حول الأرض إلى أربعة أصناف:-

1- دار الإسلام: كالدولة الأولى بعد الهجرة، قال تعالى:-

{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 9].

 

2- دار السِّلْم: وهي الدولة التي تصالح دار الإسلام، قال العليم العلام:-

{وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنفال: 61].

 

3- دار الحرب: وهي الدولة التي تحارب الإسلام ودولته، قال عزّ من قائل:-

{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [سورة النساء: 91].

 

4- دار إسلامية: أي تنتسب لدار الإسلام وتكتب في دستورها أنّ دين الدولة الإسلام، لكن حكومتها تشرّع وتطبّق قوانين وضعية في كلّ شيء (ما عدا قليلا من أمور على سبيل الاستثناء) فهذه دولة إسلامية بكثرة مواطنيها المسلمين أو بسبب من تراثها التأريخي، لكنّها ليست بدار الإسلام. فدار الإسلام هي التي تتألّف من الإسلام سُدىً ولُحمة، وتطبّق فيها الشريعة الغرّاء تطبيق شمول وعموم بحسب خواص هذه الشريعة -ابتداء من نظام الحكم وانتهاء بأبسط عمل من أعمال المسلمين- وهذه غير موجودة على الأرض اليوم، والعمل على إيجادها واجب الوقت، وكلّ مسلم يتحمّل من هذه المسؤولية قدر طاقته وحسب منزلته.

وعلينا جميعاً أنْ نعتقد هذا أوّلًا.

ونحقّق النيّة المخلصة ثانيًا.

قال تعالى:-

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة: 5].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ثمّ نبدأ بتثقيف الناس بشكل عامّ، والمسلمين بشكل خاصّ، وطلبة العلم بشكل أخصّ، بضرورة قيام دار الإسلام مع بيان ثمراته في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال دراسة السيرة النبوية الشريفة وخاصّة المرحلة التي سبقت قيام دار الإسلام في المدينة المنورة صلّى الله تعالى وسلّم على ساكنها وآله وصحبه، فهذا ضروري جدًّا لتهيئة العقول، ونشر وتعميم الدواء المبارك المقبول، الموافق لكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة سيّدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الثقات العدول، المتناغم مع الفطر السليمة والعقول، فلعلّ اللهَ جلّ في علاه يُسخِّر مَنْ يَتشرّف بحمل هذه الأمانة العظيمة فيحميها ويدعو لها، كما سخّر الأوس والخزرج رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وما ذلك على الله القدير سبحانه بعزيز.

وسيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام ما ترك وسيلة تخدم دعوته، فكان يتلو الآيات، ويراسل الرؤساء، ويدخل المسجد الحرام، ويخطب، ويُحاور، ويرسل الدعاة، ويهاجر، ويحضر مجامع الناس كمواسم الحج والندوات، ويقيم الولائم والدعوات، ويبحث عن ذوي الحاجات، ويرصد الأشراف وذوي المنزلة ليدعوهم إلى ربّ الأرض والسموات، حتّى قيل فيه:-

وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الغَمَـــامُ بِوَجْهِهِ *** ثــمَال اليَتَامَى عِصْـمَة لِلْأَرَامِلِ

يَلُوْذُ بِـهِ الـهُـلَّاكُ مِـنْ آلِ هَـاشِــمٍ *** فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِـــعْـمَـةٍ وَفَوَاضِلِ

صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.

كلّ هذا وغيره في أجواء الرحمة واللطف والعطف والشفقة واللين:-

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 159].

{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [سورة التوبة: 128 – 129].

{اُدْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].

ثلاث عشرة سنة عانى فيها الصادق المصدوق بأبي وأمّي ونفسي هو صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، ومعه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم من الظلم والقهر والتعذيب والحصار الاقتصادي والاجتماعي في مكة، وهاجر منهم مَنْ هاجر إلى الحبشة رجالاً ونساءً مرّتين، وما تزحزح عن سنن الإسلام في بلاغ رسالة الله جلّ وعلا، ثُمّ اضطر اضطراراً هو وأصحابه إلى الهجرة إلى المدينة تاركين وراءهم كلّ ما يملكون، وما سلموا من عدوان قريش والمشركين وإيذائهم إيّاهم بالحرب والمداهمة في ديار مهجرهم النهائي، ومع كلّ ذلك لم يلجأ إلى حرب وسوق جيش إلى بلد الأعداء الألداء، بل ظلّ يدعو إلى الله سبحانه بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً بالوحي الأمين صابراً كما أمر وكما أُمِرَ:-

{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة الأحقاف: 35].

تلك هي بعض المعالم في جواب هذا السؤال والله جلّ جلاله عليم بالحال وهو سبحانه أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.