2013/05/24
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (اللهم ارفع قدرومقام حضرة الشيخ سعدالله وانفعنابعلومه وتوجهات قلبه الشريف سييدي انا احد طلبة العلم الذين يدرسون عند طالبكم الشيخ صباح ابراهيم في الزيدان سؤالي لكم هو كيف يخشع المصلي في الصلاة اسألكم الدعاء واعتذر عن الطالة.
الاسم: يوسف الزيدان
الرد:
لقد تحدث آيات القرآن الكريم عن فضل الخشوع ومنزلة الخاشعين عند الله ربّ العالمين جلّ وعلا منها قوله سبحانه {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران عليهم السلام /199]. وقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام /90]، وقال أيضا {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون/1، 2].
الخشوع في اللغة هو: الانخفاض والذلّ والسكون قال تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام /108].
وهو في الاصطلاح: قيامُ القلب بين يدي الربّ جلّ وعلا بالخضوع والذلّ، وقيل هو: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له.
وللوصول إلى الخشوع فيما أراه والله تعالى أعلم سبل كثيرة أهمّها:
أولا: قراءة القرآن الكريم وتدبّر معانيه لقوله تعالى فيه {وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء/106-109].
ثانيا: المحافظة والمداومة على ذكر الله عزّ وجل لقوله جلّ وعلا {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد/16]. بيّنت هذه الآية الكريمة أنّ الخشوع محلّه القلب، وأنّ ذكر الله تعالى سبيل عظيم من سبل الوصول إلى هذا الخشوع.
ثالثا: مصاحبة الصالحين والصادقين امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى إذ يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة/119]. والتشرّف بقراءة سيرهم المباركة فقد كان لصحبتهم وقراءة سيرهم رضي الله عنهم وعنكم الأثر الشامل والدور الفاعل لوصول الخاشعين إلى ما وصلوا إليه، وقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (الرَّجلُ على دِينِ خَلِيلِهِ فَليَنْظُرْ أحدُكُمْ مَنْ يُخَالِل) الأئمة أبو داود والترمذي والحاكم رحمهم الله تعالى.
رابعا: التفكر في خلق الله عزّ وجلّ كما في قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران عليهم السلام /190، 191]. فمن هدايات هذه الآيات والتي بعدها أنّ التفكّر أوجد حالة من الخشوع التي قادت أهل التفكّر إلى دعاء الله تعالى {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران عليهم السلام /192-195].
خامسا: كثرة الدعاء بصدق وإخلاص قال تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة/186]. وقال سبحانه {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر/14]. وقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أنّ الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
سادسا: مطالعة بعض الكتب والمصادر التي تحدّثت عن موضوع الخشوع ككتاب الخشوع في الصلاة للحافظ ابن رجب الحنبلي، وكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وكتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.