2013/05/27
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حفظ الله لنا حضرة الشيخ وأطال في عمره وبارك لنا فيه.
سيّدي حضرة الشيخ: ما حكم مَنْ يسبّ العلماء ويصفهم بأوصاف لا تليق -أجلّكم الله-؟
أرجو بيان حكم ذلك وأسألكم الدعاء للعبد الفقير.
الاسم: يوسف مانع فنجان الزوبعي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعائك ولك بأفضل منه.
لقد ظهر وكثر في زماننا، وفي غيره، النيل والانتقاص من علماء ديننا الحنيف، بالشتم والسبّ والقدح، وإنّها لكبيرة شنعاء حذّر منها ربّنا سبحانه، وسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وسلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم، لأنّ الخوض في العلماء والانتقاص منهم يفقد ثقة الناس بالمصابيح التي تضيء لهم طريق الهداية فممّن يأخذ الناس أمور وتعاليم دينهم إلا عن طريق العلماء.
العلماء هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم المؤتمنون على دعوة السماء بعد الرسل الكرام عليهم السلام، يعلّمون الجاهل، ويرشدون الضّالّ، ويقوّمون المنحرف المعوج، وهم أهل الخشية.
قال الله جلّ في علاه:-
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ —} [سورة فاطر: 28].
وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(— وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.
والعلماء هم أولياء الله عزّ وجلّ، فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في (التبيان في آداب حملة القرآن) عن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما قالا:-
(إنْ لَمْ يَكُنِ العُلَمَاءُ أَوْلَيَاءَ اللهِ فَلَيْسَ للهِ وَلِيٌّ).
قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله تعالى:-
(اعْلَمْ يَا أَخِي وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ وَجَعَلَنْا مِمَّنْ يَخْشَاهُ وَيَتَّقِيْهِ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنَّ لُحُوْمَ العُلَمَاءِ مَسْمُوْمَةٌ، وَعَادَةَ اللهِ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيْهِمْ مَعْلُوْمَةٌ، وَأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي العُلَمَاءِ بِالثَّلْبِ ابْتَلَاهُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ القَلْبِ فَلْيَحْذَرِ الّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ).
فمَنْ عادى العلماء فهو معادٍ لله تعالى، وقد آذنه الله سبحانه بالحرب.
يقول الله عزّ وجلّ في الحديث القدسي:-
(مَنْ عَادَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ نَاصَبَنِي بِالْمُحَارَبَةِ —) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
ويقول سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ —) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
وعن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-
(مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ آذَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين رحمه الله جلّ وعلا (ص: 90).
والخوض في لحوم العلماء من الغيبة المحرمة شرعًا.
قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ: قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
واحترام علماء الإسلام وتوقيرهم سمة من سمات سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم الذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في تقدير العلماء وتوقيرهم ومعرفة حقهم.
عَنِ الإِمَامِ الشَّعْبِيّ رَحِمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ قَالَ:-
(رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَأَخَذَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: لا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا، فَقَالَ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا زَيْدٌ وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في المجالسة وجواهر العلم.
وممّا قاله سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه في شعره:-
النَّاسُ مِنْ جِـهَة التَّـمِثْـيْـلِ أَكفَاءُ *** أَبُـــوْهُـــمُ آدَمُ وَالأُمُّ حَــــــــوَّاءُ
نَفْسٌ كَنَـفْسٍ وَأَرْوَاحٌ مُـشَـاكَـلَـةٌ *** وَأَعْظُمٌ خُلِــــقَتْ فِيْهِمُ وَأَعْـضَاءُ
فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ أَصْلِهِـمْ حَسَبٌ *** يُفَاخرُوْنَ بِهِ فَالطِّـيْــنٌ وَالـــمَـاءُ
مَا الفَـضْـلُ إِلَّا لِأَهْـلِ العِلْمِ إِنَّهُمُ *** عَلَى الـهُدَى لِـمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِـنُهُ *** وَلِلْرِّجَالِ عَلَى الأَفْعَـالِ سِيْـــمَاءُ
وَضِدُّ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يَجْهَـلُهُ *** وَالجَاهِلُوْنَ لِأَهْلِ الـعِـلْمِ أَعْـــدَاءُ
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.