2013/6/3

مشاركة من الأخ حسين علي جزاه الله خيراً.

:: خاطرة محب ::

لم يبقَ على الوصول إلا دقائق قليلة.

وصلت…

كأنما كنت في مستنقع ساخن طوال عمري ومن ثم قُذِفت في حوض من الماء المتجمّد فشهقت وبدأ قلبي يخفق بشدّة وينبض بعجلة لرؤية الأبنية اللؤلؤية والتي تدعى مآذن المسجد النبوي.

وبعدها نظرت إلى فؤادي وهو يبحث بسرعة عن شيء أخضر يتوسط تلك المآذن -منارات الهدى- وكانت عيناي أسرع من قلبي، وبعدها سكنت لرؤية القبة الخضراء فعُصِرَ القلب وأمر المقلتين بأنْ يجري الدمع، ولكني باستغراب لم أشعر بالدموع على وجنتي، لأني رأيتها ومن شدّة حرارة الحبّ قد تبخّرت في الجوّ! أو ربما تحوّلت إلى الحبر الذي كتبت به هذه الخاطرة.

الأنام يكتحلون بالكحل، وكنت أكحّل عيني يومياً برؤيتي للقبة الخضراء، وأنا أعلم بأنّ الكحل يقوي البصر، ولعلّ منظر القبة يقوي البصيرة! وعند الوقوف أمام المواجهة الشريفة، أشعر وكأنما الرسول صلى الله عليه وسلم يحتضن كلّ أحبابه بدفيء ورفق وحبّ وعمق وشفافية وحنان ونعومة وهو يبتسم ويقول: (منْ زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي) كنت من السعادة خفيف الوزن كأني سأطير، شعرت بأني فوق الغيوم في تلك اللحظة وأنا أقرأ في قلبي: الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله.

وما أجمل السلام على أرحم الأمّة بالأمّة الصديق والخليفة الأوّل القدوة سيّدنا أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، والشيخ الكريم صاحبه وصاحب النبيّ الفاروق عمر بن الخطاب، كم أحبهم!

كلّ شيء حولي كان يبتسم، السماء والأرض… الحائط والسقف وحتى الشمس!

قيل لي بأنّ هناك رائحة مميزة في المسجد النبوي، لم أشمّ تلك الرائحة آنذاك، ولكن عجباً وأنا أشمّها الآن!

وبينما أنا جالس في حيّ الحبيب، يأمر صلى الله عليه وسلم أحد خدمه بأنْ يقدمّ لي ماء زمزم، كأنّه العسل.

وربما لو كان هناك مَنْ هو مصاب بمرض السكري لأمر له بالتمر، عنده هبوط نسبة السكر في الدم، ومنهم من تعود أجداده سكن البادية والأصالة فآثر تقديم القهوة العربية لضيوف الحبيب صلى الله عليه وسلم.

سلامي على طيبة سلامي على الحرم

سلامي على البقيع سلامي على زمزم

لم أشعر بالجوع ولا مرة في المدينة المنورة -حرسها الله تعالى- ولم أشعر بأني سأخرج منها أبداً… وكانت السعادة مِلْئ قلبي في كل لحظة، قال  حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام: {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة} فأسأل: هل في الجنة جوع ؟ أو هل هناك من يخرج منها؟ وهل في الجنة ساعة بؤس؟

كأني عشت بهذا المكان مائة سنة أو كأني سكنته من قبل مائة عام، لا أعرف كيف عرفته هكذا وربما قبل أنْ أراه، ولا أدري كيف انتسبت إليه بهذه السرعة.

كنت كلّ يوم أزوره صلى الله عليه وسلم وبعدها أنتظر متى يأتي اليوم المقبل لأزوره، كنت أعيش أيامي هناك فقط لأزوره، وأعيشها الآن لأزوره.

ذهبت باليوم الثاني لأسعد بزيارة أسد الله عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وجبل أحد الذي نحبه ويحبنا كأنّ ريحه ريح العنبر، كانت الهيبة والكرامة مسيطرة على ذلك المكان وما أنْ أغمض عينيّ حتى أسمع صليل السيوف وهرولة الجياد، رحم الله شهداء أحد وأبدلهم بدار خير من دارهم ونفعنا بسيدنا الحمزة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وفي فجر مشرق يليه، حظيت بالتشرّف بزيارة بقيع الغرقد جنة النعيم، لم أر في حياتي جبالا مدفونة تحت الأرض، ولا أمواتا يزورون أحياء، التراب هناك ليس كباقي التراب، كأنه ذرّات الذهب والشفاء، ها هو سيّدنا الحسن عليه السلام وهنا الصديقة ابنة الصديق حبيبة النبيّ أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وهذا الإمام الجليل السيّد النبيل مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه … الله الله أنظر هذا ذو النورين سيّدنا عثمان بن عفان عليه الرضوان، وكم كان جميلا ابن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يتوسط مقدمة البقيع وعن يساره بعض من أمهات المؤمنين والكثير من الصحابة العظام والعلماء الكرام، وكنت أدعو وأقرأ سورة الفاتحة كثيراً، وبعدها وقفت عند أحد الأضرحة وقيل لي بأنه لأحد أولياء رب العالمين، وبينما أنا في حضرة زيارته كان رجلٌ وسيمٌ شيخٌ جميلٌ على يميني قد شرع في قراءة شيء من القرآن العزيز كأنّ قلبه الذي يقرأ وكأنّ قلبي الذي يسمع، كانت قراءتُه غاية في الجمال وليس عليها غبار، ربما أعجبت هذه القراءة ذلك الصالح الجليل!

ولكن لله حكمة ومشيئة كانت بأنْ أخرج بعد الليلة الثالثة وفي ظهر اليوم الرابع … ففي الصباح ذهبت لتوديع خير البرية، الشفيع .. الكريم .. سيّدنا محمد الرؤوف الرحيم، صلوات ربي وسلامه عليه دائماً أبداً.

وقفت أمام مرقده الأخضر الطاهر الشريف -جعلت أنفاسنا فداءً له- وسلّمتُ على جنابه الكريم وعلى صاحبيه الوزيرين عليهما الرضوان وكأن قدميَّ قد ثبتت بوتدين عظيمين لا يريدان الحراك، وكأني دخلت في وسط بحر قويّ فرأيت بأنّ أعضائي صارت ثقيلة الحركة، وربما جفّ ريقي في فمي فلم أجد وسيلة لبلعه، وربما قُطِعَ نفسي ولا أدري ماذا حدث لقلبي … وسال الدمع ممزوجاً بحرقة تكاد تشقّ صدري، وأنين محبوس لا يسمعه إلا ربي، ولكني قد خرجت!

وبعدها صلّيت في باحة المسجد وعلى بلاطه البارد مع أحد من الناس، ومن ثمّ رأيته وهو معلمي وصديقي الحكيم، رأيته يقبّل الأرض برقة وهو يضع بحذر فؤاده على الأرض، وضعه أمانة عند النبي عليه السلام ليرجع إليه مرة ثانية، ولا أدري ربما يكون اللقاء الأخير بالرسول صلى الله عليه وسلم على حوضه الأبيض! آمين.

الــرد:

جزاك الله تبارك وتعالى خيرا على هذه المشاعر الطيبة والكلمات القيمة التي تجسّد تعلّق قلوب أهل الحق والصدق بسيّد الخلق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، نسأل الله تعالى أنْ لا يحرمنا من رحابه الطاهرة ومدينته المنوّرة إنه سبحانه سميع مجيب.