2013/6/8
مشاركة من الأخ إياد رحيم طه السميط جزاه الله خيراً.
:: القنوت في الصلاة ::
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
ـ إنَّ البعض من المصلين ينكرون مشروعية القنوت في الصلاة وينهون عنه، وإذا قنت الإمام لا يقنتون معه، ويزعمون بأنه بدعة ولا أصل له؛ مخالفين بذلك ما هو ثابت في شريعتنا بالسُنَّة القولية والفعلية وتناقله أئمتنا من أنّ القنوت سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وَفي قَولٍ آخر: هو وَاجِبٌ. ويكون قبل الركوع على رأي الحنفية (رحمهم الله) أي بعد قراءة الفاتحة والسورة، وعند الشافعية (رحمهم الله) بعد الركوع، وذهب المالكية والحنابلة (رحمهم الله) إلى أنه يُخيّر في فعله بعد الركوع أو قبله.
والقُنُوتُ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ هي:
1ـ في الركعة الثانية من صلاة الفجرِ.
2ـ في الركعة الأخيرة من صلاة الوتر.
3ـ وفي قنوت النازلة في آخر ركعة من الفرائض الخمس، إذا نزلَتْ بالْمسلمين نازلة،من فتنة، أو بليِّة،أو وباءٍ ،أو قَحْطٍ، أو عدوان أو اضطهاد.
والخلاف الحاصل في المسألة هو:
هل أنّ القنوت في صلاة الفجر أو في الوتر؟ ولم يختلفوا في أصل مشروعية القنوت كما توهّم البعض. فذهب الحنفية إلى أنّ القنوت في الوتر واجب في جميع العام؛ وهو سُنَّة عند الحنابلة ولا قنوت عندهما في الفجر، فقال الحنابلة يُكْرَهُ في الصبح، وقال الحنفية الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ، بينما ذهب الشافعية والمالكية إلى أنّ القنوت في الفجر سُنَّة في جميع العام، ويُكره الْقُنُوت فِي الوِتْرِ إلاّ في النصف الأخير من شهر رمضان، لأنَّ القنوتَ عندهم في صلاةِ الفجرِ ولم يثبت عندهم في الوتر، أي بخلاف رأي الحنفية والحنابلة؛ وقال عليّ بن زياد من المالكية بوجوب القنوت في الصّبح، فمَنْ تركه فسدت صلاته. ولكلّ مذهب حجته التي استند عليها؛ والأدلة على مشروعية القنوت كثيرة نذكر منها:
ـ ما روي عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قَال:(مَا زَال رَسُول اللَّهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا) (أخرجه أحمد 3/162(والبيهقي2/201وقال صحيح سنده، ثقة رواته)/ وحسّنه ابن حجر كما ورد في الفتوحات الربانية2/287)
ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا أراد أنْ يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع. (أخرجه البخاري 4284).
ـ وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: علمني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهمّ اهدني فيمن هديت… ).الحديث. وفي رواية: (لأعلمنّك كلمات تقولهنَّ عند القنوت).وفي لفظ: (إذا قمت في القنوت في الوتر فقل..) (حديث صحيح رواه: أحمد/الترمذي/أبو داود/النسائي/ابن ماجة… وغيرهم) .
ـ وأخرج البزار والبيهقي عن أنس رضي الله عنه :”أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قنت حتى مات وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات”. وقال الشافعي (رحمه الله) في القديم: أخبرنا رجل، عن علي بن يحيى، عن الحسن قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، يقنتون في الصبح بعد الركعة، حتى كان عثمان، فقدم القنوت قبل الركوع». (معرفة السنن والآثار للبيهقي3/202)
ـ وعن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات يقرأ في الأولى بـ (سبّح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة بـ (قل هو الله أحد) ويقنت قبل الركوع. (السنن الكبرى للبيهقي1/448).
ـ وعن أبي المهزم : صحبت أبا هريرة، عشر سنين، فما رأيته يقنت في وتره، وكان عروة لا يقنت في شيء من الصلاة ولا في الوتر، إلاّ أنه كان يقنت في صلاة الفجر. وعن عبد الله بن شداد: (صليت خلف عمر، وعليّ ، وأبي موسى فقنتوا في صلاة الصبح). (صلاة الوتر لمحمد بن نصر المروزي1/95).
ـ وعن قنوت النازلة قال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ إِذَا قَال سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الأْخِيرَةِ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. (أخرجه أبو داود 2/143، وحسّنه ابن حجر كما في الفتوحات لابن علان 2/288).
ـ وقنوت النازلة سُنّة ثابتة باتفاق الفقهاء، وللمالكية في المشهور لا قنوت للنازلة وفي قول آخر يُسَنُّ.
ويكون الاقتصار في الدعاء على النازلة، فلا يزيد في قنوته أدعية أخرى، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وليس له زمن معيّن ينتهي عنده حتى يكشف الله النازلة، ويرفعها عن المسلمين؛ فقد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ شَهْرًا يَدْعُو فِي قُنُوتِهِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. (أخرجه البخاري/فتح الباري7 /385، ومسلم 1/469، من حديث أنس بن مالك واللفظ المذكور مركب من عدة روايات لهما)، حيث أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوا أَصْحَابه الْقُرَّاء بِبِئْرِ مَعُونَةَ؛ وقَوْله «ثمَّ تَركه»: المُرَاد به ترك الدُّعَاء عَلَى أُولَئِكَ الْكفَّار وَلَعْنهم فَقَط ،لَا ترك جَمِيع الْقُنُوت أَو ترك الْقُنُوت فِي غير الصُّبْح، وَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيّن؛ لِأَنّ حَدِيث أنس (رضي الله عنه) قبله: «مَا زَال رَسُول اللَّهِ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارق الدُّنْيَا» صَحِيح صَرِيح، فَيتَعَيَّن الْجمع بَينهمَا. وَقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام أَنه قَالَ: إِنَّمَا ترك اللَّعْن. وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: «أَنّ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قنت بعد الرُّكُوع فِي صلَاته شهرًا يَدْعُو لفُلَان وَفُلَان ثمَّ ترك الدُّعَاء لَهُم» وَمَعْنى لفُلَان أي:عَلَى فلَان، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:{وَإِنْ أسأتم فلهَا} أَي: فعلَيْهَا. (البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير3/626).
ـ والآن انظر إلى حجة هؤلاء الذين ينكرون القنوت فإنهم يجدون في كتب الفقهاء – مثلًا- عبارة: قَال أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ.(مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر1/129)، وَقَال الْحَنَابِلَةُ:(يُكْرَهُ فِي الصُبحِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَطَاوُوس رَحِمَهُ الله) (شرح منتهى الإرادات1/228وكشاف القناع1/493). فتراهم يفسّرون الأقوال على حسب فهمهم، ولم يتحققوا من الكلام قبل وبعد الجملة التي يقتطعونها من النص ليستدلوا بها ـ عن قصد أو غير قصد، علموا بذلك أم لم يعلمواـ فينكرون القنوت بجميع مواطنه سواء في صلاة الفجر أو الوتر أو عند النوازل، لاعتقادهم بأنّ أصل القنوت بدعة بعينه، وعدم مشروعيته؛ ولكن ما ورد عن بعض الفقهاء من إطلاق لفظ البدعة إنما يقصدون بها البدعة اللغوية لا الشرعية، أي الشيء الجديد لا التي هي ضلالة؛ فَقَصْدُ أبي حنيفَة رحمه الله بالبدعة هنا هو أداء القنوت في صلاة الفجر وليس في الوتر، لأنّ الْقُنُوتَ عند الحنفية وَاجِبٌ فِي صلاة الوِتْر وعند الحنابلة سُنّة كما ذكرنا، ولم يثبت عندهم في الفجرِ بخلاف الشافعية والمالكية، لذلك قال(الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ) فخصَّ الفجر ولم يقل القنوت بدعة مطلقًا. وإليك نص قول الحنفية الوارد في (كتاب مجمع الأنهر) والذي يستدل به هؤلاء على نفي القنوت؛ قال صاحب كتاب مجمع الأنهر: (وَلَا يَقْنت فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا- أَيْ غَيْرِ صَلَاةِ الْوِتْرِ- عِنْدَنَا؛ قَالَ الْإِمَامُ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مَسْنُونٌ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ السَّنَّةِ لِرِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا» وَلَنَا حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ» وَالتَّرْكُ دَلِيلُ النَّسْخِ. انتهى)… فانظر كيف اقتطعوا من الكلام فقط عبارة:(القنوت في الفجر بدعة) ليستدلوا بها على إنكار مشروعية القنوت؛ وحالهم هذا كمَنْ يدّعي بأنّ الله تعالى ينهى عن الصلاة ويستدل بقوله تعالى: {يَا أيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} ويسكت ولم يتم الآية: {يَا أيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأنْتُم سُكَارَى حتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (النساء43) وهذا من الأساليب التي يستخدمها أعداء الدين لتحريف النصوص وتضليل العوام فتلتبس عليهم الأمور؛ ويقوم بعض الناس بنقلها عنهم جهلًا وترويجها من غير علم بعواقب وتبعات تحريف الأحكام الشرعية.
ـ فالحنفية لم ينكروا مشروعية القنوت كما تبيّن لنا، وكيف ينكرونه وهو عندهم واجب ؟! إنما أنكروا فعل القنوت في صلاة الفجر فقط؛ ومع ذلك فقالوا هم والحنابلة ومَنْ وافقهم: لو أنّ الإمام قنت في الفجر فإنك تتابعه، وقد سئل الإمام أحمد (رحمه الله): إذا قنت الإمام في الفجر هل يتابع؟ فأجاب بالمتابعة. وقال ابن تيمية رحمه الله: ينبغي للمأموم أنْ يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإذا قنتَ، قنتَ معه، وإنْ ترك القنوت لم يقنتْ، فإنّ النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:(إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤتَمَّ به،فلا تختلفوا عليه) (أخرجه البخاري جـ2/584 رقم 689 ومسلم رقم:414)،وقال:(لا تختلفوا على إمامكم)(أخرجه البزار1/232، برقم474) وثبت عنه أنه قال:(يُصَلّون لكم، فإنْ أصابوا فلكم ولهم، وإنْ أخطئوا فلكم وعليهم) (أخرجه البخاري 694) . (انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية23/115)
ـ وعليه فكيف يتجرأ هؤلاء على إنكار ما ثبت بالنصوص الشرعية ويروجونها من غير دليل أو برهان؟! هدانا الله وإيّاهم والمسلمين للحق والصواب … والله أعلا وأعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انظر: (المغني لابن قدامة2/585،منح الجليل1/157وشرح منتهى الإرادات1/228وكشاف القناع1/493وروضة الطالبين1/254والأمّ 8/814،والمجموع للنووي 3/494وبدائع الصنائع1/273وبداية المجتهد3/89،والموسوعة الفقهية الكويتية34/58 ومجموع الفتاوى لابن تيمية 23 /115ومجمع الأنهر1/129، ومواهب الجليل 1/539 وشرح معاني الآثار1/241وزاد المعاد1/273 والمدوّنة1/100والاستذكار6/201والمبسُوط 1/165وفتح القدير لابن الهُمام1/431.)
إعداد: إياد رحيم طه السميط، مدير مدرسـة جامـع الهدى للعلوم الشرعية، تكريت/الجمعة ـ 22جمادى الآخرة 1434هـ ـ 3 أيار2013م.
الـرد:
جزاك الله تبارك وتعالى خيرا على هذه المشاركة المباركة ونسأل الله تعالى أنْ يفقّهنا في الدين ويوفقنا للعمل بما يرضيه إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.