((إنشقاقُ القمر))

حدثت  معجزة إنشقاق القمرِ لسيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر : 1]، فاحببت ان تطلعوا على جزءٍ مما كتبهُ سيدي حضرة الشيخ عبدالله الهرشمي طيب الله روحه وذكره وثراه في كتاب “وانشق القمر” ص19-22.

(….. ومن القمر يأتي إلينا الضوء، أو النور إذا أحببت. بساطا من حزم الفوتونات منبسطا إلى آفاقٍ عديدة والحزم مستعصية على الحساب لكثرتها المعجزة. وحزم الفوتونات السابقة إلى أرض مكة أو الحجاز هي غير الحزم المسرعة إلى القاهرة أو وادي النيل أو بابل وبغداد. والحزم في كل أفق تنبسط على أرجاء ذلك الأفق، وليست توجد في أفق آخر لمّا يطلع القمر عليه. فإذا أريد إجراء خارقة للعادة مرئية في القمر فالوضع المناسب لذلك هو شق حزم الفوتونات الواصلة إلى حيز الإجراء والرؤية دون تراب القمر وصخوره ولا الفوتونات الذاهبة إلى حيز آخر. وهذا المقام في حاجة إلى مزيد بيان.

       بديع السموات والأرضين قادر على الخلق  بسبب وبدون سبب. فإنما أمره إذ أراد شيئا أنْ يقول له كن فيكون. وهو جل جلاله الذي قدّر لكل عالم من عوالمه الكثيرة قوانينه وطبائعه، وجعل عالمنا في السماء الدنيا مبني الانتظام على الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات – ومنها القوانين الفيزيائية والكيميائية والطبيعية. وما جعل معجزات الأنبياء، على أنها معجزات،  مجردة من دواعي الأسباب والمسببات:

قدّر عصا نبيه موسى الكليم – صلى الله وسلم على خاتم الأنبياء وعليه – سببا لإحباط ما سحر به سحرة فرعون، فألقاها فإذا هي حية تلقف ما يأفكون. وما كان بعزيز على الخلاق اللطيف الخبير أنْ يحبط السحر من دون السبب، العصا أو دونما سبب على الإطلاق. لكنه قانون الأسباب والمسببات.

       وحينما أصابت أصحاب خاتم النبيين – صلى الله وسلم عليه وآله وأصحابه – ضائقة شحة الماء وفقدانه بارك الربُّ العظيم أصابع رسوله، فلما وضعها في وعاء الماء تدفق النمير العذب من بين أصابعه المباركة ثرا يشخب. وما كان بعزيز على الله جل جلاله أن يخلق لهم الماء بعيدا عن الأصابع وقربة الماء. لكنه قانون العلل والمعلولات.

      وصار لانشقاق القمر جوّه المخصوص به. بدأ الوحي يهبط إلى خاتم الأنبياء والمرسلين – صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين – وأمره ربه أنْ “قم فانذر وربك فكبر”. دعا إلى الله جل شأنه. فكفر به مشركو مكة وطالبوه بإظهار معجزة. ومن ثمة رويت معجزة شق القمر. يقول البخاري في صحيحه: “حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة عن أنس – رضي الله عنه – قال: سأل أهل مكة أنْ يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. (البخاري، “الجامع الصحيح”، الجزء السادس، ص178، دار إحياء التراث العربي، بيروت)، فواقعة الانشقاق ورواية خبرها قد تمتا في بقعة واحدة هي أم القرى أو أفق الحجاز.

       مما تقدم يتضح أمور. أولها أنّ المعجزة ظهرت يوم إذ كان الإسلام في مهده بمكة قبل الهجرة وقبل أن تنتشر دعوته إلى سائر الأصقاع والآفاق. والثاني أنّ المقصودين بتوجيه المعجزة والتحدي قد كانوا هم أهل مكة. والثالث أنّ الخارقة الفلكية إنْ كانت قد شوهدت في أقطار وآفاق ما إنْ بلغتها نبأة البعثة النبوية بعد فإِنها وإنْ رؤيت فهي في حقهم مجرد ظاهرة فلكية معزولة عن الارتباط بالرسالة والنبوة والتحدي. وإذا انعدم النزاع سهل على الناس التنادي إلى الرؤية والرواية الكثيرة في شأن خارقة فلكية، فكان يتوقع أنْ تروى وتدون بين كل الاقوام في كل الآفاق التي كان القمر فيها ساعتئذ فوق دوائر الأفق. وذلك ما ليس لدينا عليه من دليل، إلا ما شوهد في أفق الحجاز ورواه المسلمون.

       وهذه حقيقة نبهتني إلى أنّ المعجزة قد كانت أعظم مما يتصورها أكثر الناس مسلمين أو غير مسلمين. ففي لحظة واحدة معينة انشق القمر في آفاق معينة وما انشق في سائر الآفاق في اللحظة ذاتها. وجدان وانعدام حقيقيان لظاهرة واحدة على قمر واحد في آفاق متعددة في لحظة واحدة! يا لجلال قدرة الخالق العظيم خالق الأكوان).