2013/06/10

السؤال:

السلام عليكم، حضرة الشيخ أدامكم الله..

أودّ السؤال عن صلاة القصر والجمع (بالتفصيل) ومتى يتوجب القيام بها؟

وشكرا.

 

الاسم: أم محمد.

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأدامكم الله جلّ وعلا وأعزّكم.

إنّ مسألة الجمع والقصر في الصلاة للمسافر فيها تفصيل أبيّنه على هذا الشكل للفائدة:-

المقصود بالسفر هنا: هو السفر الذي تتغير به الأحكام الشرعية وهو أنْ يخرج الإنسان من وطنه قاصداً مكاناً يستغرق المسير إليه مسافة مقدّرة عندهم.

القصر: قصر الصلاة الرباعية الظهر والعصر والعشاء مِنْ أربع ركعات إلى ركعتين.

أمّا الفجر والمغرب فقال الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لا تقصر لعدم ورود الدليل الشرعيّ عليه، ولأنّ المغرب وترُ النهار والقصر شطرُ الصلاة، ولأنّ الأصل ركعتان وبقصر الفجر والمغرب يذهب أصله، وقالوا: لا قصر في الصلوات المنذورة ولا السنن.

ويصير الإنسان مسافراً بشرطين:-

الأوّل: أنْ يخرج من بلدته أي موطن إقامته ويفارق بيوتها وبساتينها ومزارعها وأسوارها، قال الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

يبدأ المسافر القصر إذا فارق بيوت المصر، فَعَنْ سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

 

الثاني: يجب أنْ يكون قد نوى السفر، فالمقيم لا يكون مسافرًا حتى ينوي مسافة السير الشرعي وهذا ما أجمع عليه الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

أمّا المسافة المقررة للسفر فأقلّها عند عامّة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم مسيرة يومين بلا ليلة، أو ليلتين بلا يومين، أو مسيرة يوم وليلة، وقدّروها بالأميال (48) ميلاً أي ما يساوي (80) كيلو مترا تقريبا.

أمّا السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم فقدّروها مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، أي ما يعادل (72) ميلا، أي (120) كيلو مترا تقريبا، وقد استحبّ الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ذلك للخروج من الخلاف.

أمّا بالنسبة للوسائل الحديثة كالطائرة وغيرها فجمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّه يقصر الصلاة ويجمعها حتى لو قطع مسافة القصر بلحظة أو ساعة.

ومشروعية القصر ثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله عزّ شأنه:-

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [سورة النساء: 101].

أمّا السنّة النبوية المطهّرة: فعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ:-

(قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

عن سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما كان يَقُولُ:-

(صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

والآية الكريمة دلّت على مشروعية القصر في الخوف والأحاديث الشريفة دلّت على القصر في حالتي الخوف والأمن وغيرها من الأحاديث والآثار كذلك فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وقد أجمعت الأمّة على مشروعية القصر.

وقد تعددت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مسألة القصر، ما نوع حكمه؟

فذهب السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى أنّ القصر فرض في الصلوات الرباعية، فليس للمسافر أنْ يتمّ صلاته عندهم لقول أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها:-

(فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الحَضَرِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

أمّا السادة المالكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم فالقصر عندهم سُنّة مؤكدة لأنّه لم يصح عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه أتمّ صلاته في السفر، بل المنقول عنه القصر في كلّ أسفاره، وما كان هذا شأنه فهو سُنّة مؤكّدة، ولديهم أقوال بأنّ القصر فرض ومستحب ومباح.

وقال السادة الشافعية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

إنّه جائز تخفيفًا على المسافر لما يلحقه من المشقة ودليلهم الآية الكريمة {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ …} دليل الرخصة والحديث الشريف المذكور (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ).

والأفضل أنْ يأخذ المسلم بالرخصة لأنّها صدقة تصدّق الله تعالى عليه بها، ولقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.

وفي رواية أخرى قال:-

(كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن تبارك اسمه.

 

مدّة القصر المعتبرة:-

نيّة الإقامة عند السادة الحنفية وغيرهم من الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لا بدّ منها، فما دام لم ينو الإقامة يقصر حتى لو مكث شهرًا، يقول: أسافر اليوم أو غدًا، وذلك لإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

 

أمّا مدّة الإقامة المعتبرة:-

فأقلّها خمسة عشر يومًا، وهي المدّة التي ذكرها بعض الصحابة ومنهم سيّدنا عبد الله بن عباس وسيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وعند بعض الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم مدّة الإقامة أربعة أيّام عدا يومي الدخول والخروج، وإنْ سافر لحاجة ولم ينو الإقامة قصر:-

(لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِتَبُوْكَ عِشْرِيْنَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

الْمُسَافِر مَتَى ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّلاةِ أَوْ رَكْعَةً، أَوْ أَقَلَّ، لقول حضرة النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.

وعَنْ سيّدنا عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أَنَّهُ قِيلَ لَهُ:-

(مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَالِ الانْفِرَادِ، وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةُ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ شأنه.

وَلِأَنَّهُ فِعْلُ سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:-

(كَانَ إذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلاهَا أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلاهَا رَكْعَتَيْنِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ذكره.

فالواجب على المسافر إذا صلّى خلف الإمام المقيم أنْ يتمّ معه لعموم قول النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).

ولأنّ الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كانوا يصلّون خلف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه في الحجّ في منى فكان يصلّي بهم أربعًا فيصلّون معه أربعًا.

أمّا مَنْ يصلّي خلف مسافر فإنْ كان مسافرًا فيسلّم مع الإمام، وإنْ كان مقيمًا فيقوم لإتمام صلاته بعد سلام الإمام، فعن سيّدنا عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال:-

(غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْبَلَدِ، صَلُّوا أَرْبَعاً فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ) الإمام أبو داود رحمه المعبود تبارك اسمه.

 

أمّا الجمع: فهو جمع صلاة الظهر والعصر معًا، والمغرب والعشاء معًا، ويصلّي القصر في الصلوات الثلاث التي ذكرتها، ويجمع بين الصلاتين جمع تقديم أي يقدّم صلاة العصر مع وقت صلاة الظهر، أو يقدّم صلاة العشاء مع وقت المغرب، أو جمع تأخير أي يؤخِّر صلاة الظهر مع وقت العصر وكذا صلاة المغرب مع وقت العشاء بحسب حالة المسافر ووضعه.

وذهب جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى جواز الجمع للمسافرين بين الصلاتين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت الأولى منهما، وفي وقت الثانية كذلك، غير أنّه إنْ كان نازلًا في وقت الأولى فالأفضل أنْ يقدّم الثانية في وقت الأولى، وإنْ كان سائرًا فيها فالأفضل أنْ يؤخّرها إلى وقت الثانية.

 

أمّا شروط الجمع فهي:-

الأول: البداءة بالأولى من الصلاتين الظهر والمغرب لأنّ الوقت لها، ولأنّها تبع، والتابع لا يتقدّم على المتبوع، فلو صلّى العصر قبل الظهر والعشاء قبل المغرب لم يصح وعليه الإعادة على الراجح من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

 

الثاني: نيّة الجمع وأفضل محلّها أوّل الصلاة الأولى ويجوز أثنائها.

 

الثالث: الموالاة بين الصلاتين وهي ألّا يفصل بينهما بزمن طويل، أمّا اليسير فلا يمكن التحرّز منه، والأفضل عند الفقهاء رحمهم الله سبحانه أنْ لا يفصل بينهما بزمن لأنّ بعضهم لا يجوّز ذلك حتى ولو كان قصيرًا، فإنْ أطال الفصل بينهما بطل الجمع سواء أفرّق بنوم أو سهو أو شغل أو غير ذلك.

 

الرابع: دوام سفره حال افتتاح الصلاة الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية، فإذا نوى الإقامة أثناء الصلاة الأولى، أو وصل إلى بلده وهو في الأولى، أو صار مقيمًا بين الصلاتين، انقطع الجمع لزوال سببه ولزمه تأخير الثانية إلى وقتها.

 

أسباب الجمع:

1- المرض: (عافانا الله تعالى وإيّاكم) مع تعدد في وجهات النظر بين الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في ذلك واستدلوا بحديث حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

وأجمع القائلون بهذا العذر على أنّ المرض مثل السفر تلحقه المشقة وهي علة القصر والجمع.

والذي أراه أنّه ليس كلّ مرض تجمع فيه الصلوات إلّا إذا كان شديدًا.

 

2- الثلج والمطر: على أنْ تكون الصلاة جماعة في المسجد، قال جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بسبب الثلج والمطر الشديد المبلل للثياب وفي هاتين الصلاتين مشقة شدّة الظلمة واستدلوا بحديث (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ)، وجوّز بعضهم الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر.

3- الخوف: استدلالا بالآية الكريمة المذكورة آنفا، والحديث الشريف المفسّر لها.

 

أمّا الجمع بدون سبب: فغير جائز إذا اتُخِذ عادة، لأنّ أخبار المواقيت الثابتة لا تجوز مخالفتها إلّا بدليل خاص، ولأنّه تواتر عن حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين المحافظة على أوقات الصلوات.

والله جلّت قدرته أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.