2013/06/15
السؤال:
شيخي العزيز سعد الله عارف حفظكم الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شخص شيخي اشترى قطعة أرض من امرأة لها أطفال قاصرون بمبلغ ولكن كما تعلمون لا بد أنْ تمرّ المعاملة بالمحكمة حتى يخرج نصيب القاصرين الأطفال ولكن سعر القطعة تسجل في المحكمة بسعر أقلّ بكثير جدًّا من سعرها الحقيقي الذي اشتري فيها القطعة، والخبير القضائي يقوّم هذه القطعة بهذا السعر المنخفض لكي تقلّ الضريبة عليها وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سعد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويرعاكم.
الضريبة: لفظة مشتقة من (ضَرَبَ عليه كذا) أي ألزمه به وكلّفه تحمّله، وهي التزامٌ مدنيّ محضّ، تفرضها الدولة على مواطنيها لأجل أنْ تتمكّن من تأدية ما عليها لهم من خدمات.
وقد وضع العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم شروطا تجب مراعاتها في الضرائب ليحلّ أخذها من أهمّها:-
1- حاجة الدولة الحقيقية إلى المال بحيث لا تجد لتحصيله مورداً آخر غير الضرائب، فالأصل في المال الحرمة، والأصل في الذمّة البراءة.
2- توزيع الضرائب على الناس بالعدل دون محاباة لطرف على حساب طرف آخر.
3- أنْ تنفق هذه الضرائب في مصالح البلد العامّة.
كما وقسّموا التهرب من الضرائب والتحايل عليها إلى قسمين:-
الأوّل: المأخوذ ضمن الشروط المتقدمة، وهذا لا يجوز التحايل عليه ولا التهرّب منه.
الثاني: المأخوذ ظلما وعدوانا، وهذا يجوز التهرّب منه والتحايل عليه لأنّه ظلم، ورفع الظلم عن النفس بالتحايل يجوز، خصوصاً إذا لم يجد المظلوم سبيلا لدفع الظلم إلا به.
ولقد حذرت نصوص الشرع الشريف من أكل أموال اليتامى القُصّر بغير وجه حقّ.
فقال عزّ من قائل:-
{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [سورة النساء: 6].
وقال سبحانه:-
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [سورة النساء: 10].
وقد عدّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أكل مال اليتيم ظلما من الموبقات إذ قال:-
(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وبناء على هذا:-
إذا كانت القوانين الوضعية تراعي مصلحة الأيتام القاصرين وفق هدايات كتاب الله عزّ وجلّ والسنّة المطهرة من صيانة أموالهم واستثمارها حتى يبلغ القاصر فيجد أمواله قد نمت وربت فعندئذ لا يجوز التهرّب من الضريبة أو التحايل عليها.
أمّا إذا كانت تلك القوانين لا تراعي تلك المصالح للقاصر وهو الحال الغالب فيجوز التهرّب والتحايل عليها قدر المستطاع بنيّة صادقة ومخلصة في تحقيق مصلحة القاصر، وعند ذلك قد يدخل هذا الموضوع في أمور الدنيا وسيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يقول:-
(أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.