2013/06/16

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخي سعد الله أسأل: لماذا أخذ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كأس اللبن وقال له سيّدنا جبريل عليه السلام: هُدِيْتَ وهُدِيَتْ أمتك، فما الجواب؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته نسألك الدعاء لنا.

 

الاسم: خويدم جاوز قدره

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويرعاكم ويكرمكم بما هو أهله جلّ جلاله وعمّ نواله.

أولاً، أود التنبيه على  أنّ المقصود باللبن في النصوص الشرعية ولغة العرب هو الحليب غالباً وليس ما تعارفنا عليه في مجتمعاتنا دائماً، وقد امتن الله جلّ وعلا على عباده  بالألبان قال العلي الأعلى جل وعلا {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} النحل 66. وفي العهد الزاهر من عمر هذه الأمة المجيدة كان اللبن المشروبَ الرئيس والأساسي، ولقد حفلت السنة النبوية بذكر اللبن وقيمته وأهميته في حياة الفقراء من أهل ذلك الزمان وبيّن صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم سننا ترتبط بهذا الشراب فضلا عن غيره من المشروبات في حياة المسلم آنذاك، وشرّع أحكاما تختص باللبن دون غيره وقد عمل الفقهاء وأهل الحديث رضي الله تعالى عنهم وعنكم على توضيح هذه الأحكام وبيّنوا مراد الشارع منها وقاسوا عليها بعض ما يتفق معه في العلة حتى ألّف بعض العلماء كتاباً سمّاه ((من منن المنان سقي الأنام الألبان)).

أما بالنسبة للسؤال المذكور فأقول وبالله التوفيق:

إنّ نظرة للحديث المذكور في ما يتعلق بالسؤال تبيّن للقارئ الحكمة الواضحة على ظاهره وإليك نص الحديث فقد جاء خبره في حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قَالَ جِبْرِيلُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) رواه الشيخان.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اخْتِيَارَ اللَّبَنِ لِمَا أَرَادَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ تَوْفِيقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللُّطْفِ بِهَا فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَقَوْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ، الْمُخْتَارُ مِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ جِبْرِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِ اخْتَارَ اللَّبَنَ كَانَ كَذَا وَإِنِ اخْتَارَ الْخَمْرَ كَانَ كَذَا. وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِسْلَامُ وَالِاسْتِقَامَةُ، وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ سبحانه أَعْلَمُ اخْتَرْتَ عَلَامَةَ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَجُعِلَ اللَّبَنُ عَلَامَةً لِكَوْنِهِ سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ، وَأَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ وَجَالِبَةٌ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ.

قال القاضي – رحمه الله عزّ وجلّ: المراد بها الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، فإنّ منها الإعراض عمّا فيه غائلة وفساد، كالخمر المخلّ بالعقل الداعي إلى الخير الوازع عن الشر المؤدي إلى صلاح الدارين، وخير المنزلين، والميل إلى ما فيه نفع حال عن مضرة دنيوية ومعرة دينية، كشرب اللبن، فإنه من أصلح الأغذية، وأوّل ما حصل به التربية.

وقال الشيخ ابن الملك رحمه الله تعالى: وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإنّ اللبن لما كان في العالم الحسي ذا خلوص وبياض، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ منه العالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتم بها القوة الروحانية، بخلاف الخمر فإنها لكونها ذات مفسدة صيغ منها مثال الغواية، وما يفسد القوة الروحانية.

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: يحتمل أنْ يكون سبب تسمية اللبن فطرة لأنه أوّل شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، والسرّ في ميل النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه دون غيره لكونه كان مألوفا له ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة. (لو أخذت الخمر غوت أمتك) أي ضلت نوعا من الغواية المترتبة على شربها، بناء على أنه لو شربها لأحل للأمة شربها فوقعوا في ضررها وشرها، وفيه إيماء إلى أن استقامة المقتدي من النبيّ والعالم والسلطان ونحوهم سبب لاستقامة أتباعهم لأنهم بمنزلة القلب للأعضاء كذا في المرقاة .

لاحظوا توفيق الله عزّ وجلّ لنبيّه بهدايته لما ينفع أمته، وبعده عما يضرها، مع أنَ الخمر كانت معروفة عند العرب، وقد ولعوا بشربها، لكن الله تعالى هدى نبيه لمجانبتها، فسلمت أمته من الغواية، وسلكت طريق الهداية؛ ولذا لا تجمع الأمة على ضلالة، ولا يمكن حرف مجموع أفرادها عن الدين، فلا تزال طائفة منهم على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى. وتأملوا عباد الله توفيق الله تعالى لنبيكم صلى الله عليه وسلم في حسن الاختيار، وهو توفيق يعود عليكم وعلى كل أفراد الأمة جمعاء بالخير العظيم، حين يختار لكم الأحسن من أهم شيء في حياة الإنسان وهو الدين، ويكون هذا قانونا في الاختيار، ومعه اختيار الأيسر؛ ليجتمع لكم الحسن واليسر كما لم يجتمعان لأمة قبلكم.

ومن الحكم أيضا أنّ اللبن الذي اختاره صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم شراب أصيل لم يتغيّر لونه ولم يتحول الى خبيث يذهب العقول كالخمر, فهو نافع للصحة والبدن, فلما شربه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم آثر الصالح على الفاسد وهذه سنة الله التي فطر الله الناس عليها، وهي سنة دائمة باقية بقاء الناس لما فيها من نفعٍ للناس أجمعين وهو منهج يسير عليه الذين يعيشون الآن على وجه المعمورة والذين خلقوا من قبل.

إذن اختيار سيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم اللَّبن دليل على اختياره الفطرة، وأنَّ الإسلام دين الفطرة السَّليمة، وأنَّ أحكامه وتشريعاته كلّها تنسجم ولا تتعارض قيد أنملة مع نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فمهما طغت بهارج المدنية الغربية الزَّائفة فإنَّ صوت الفطرة الأصيل سيظل موئل العائدين إلى الله الرَّاغبين في صفاء العقل وعمارة الرّوح  بسرّ الوجود.

والله تعالى أعلم.