2013/06/17

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي حضرة الشيخ حفظكم الله ورعاكم وجعل الجنّة مثواكم أرجو أنْ لا أكون قد أثقلت عليكم نشكركم على سعة صدوركم سيّدي حضرة الشيخ عندما أتصفّح في الموقع الاجتماعي الفيس بوك أجد صور لشهداء مكتوب عليها سأعتبرك يهوديًّا إنْ لم تقل الله يرحمه أو ينشر آية يقول في آخر الآية هل عندك الشرف لتنشر هذه الآية وينشرون سيّدي حضرة الشيخ اسم الله عزّ وجلّ يقول هل أرى لهذه الكلمة ألف لايك ومرّات ينشرون اسم الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا لم تصلّ على الرسول اعلم أنّ الشيطان منعك وينشرون صورة لإبليس لعنه الله عزّ وجلّ مكتوب فيها إذا تحبني لا تكتب لا إله إلا الله هل يجوز التلفظ بهذه الكلمات عند ذكر اسم الله عزّ وجلّ واسم الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعند ذكر آية أو سورة من القرآن الكريم علمًا سيّدي أنّ هذه الظاهرة منتشرة كثيرا في الفيس بوك ولا نعلم ما الاستفادة من جمع إعجابات على حساب الدِّين ويحرجون الناس بهذه الكلمات هل هذا جائز؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.

 

 

الاسم: أحمد الأوسي 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعواتك الطيّبة ولك أفضل منها.

في السؤال محاور عدّة، ففيما يخص عرض صور الشهداء رحمهم الله تعالى فهذا يتنافى مع الشريعة الإسلامية والفطرة الإنسانية التي تقتضي تكريم الإنسان حيا وميتا؛ قال سبحانه:-

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء: 70].

ومن تكريم الإنسان دفنه بعد موته، لا أنْ تُعرض صورته على الملأ؛ قال عزّ من قائل:-

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [سورة المائدة: 31].

وقال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

كما إنّ الكثير من هذه الصور لا تصلح للمشاهدة ولا يتحمل رؤيتها بعض الناس؛ فبعضها مقطع الأوصال وملطخة بالدماء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومن سُنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا أنّه يستعيذ بالله تعالى من كآبة المنظر كما في دعاء السفر المعروف:-

(اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

وفي رواية أخرى:-

(وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

ونشرُ هذه الصور تؤدي إلى مفاسد ومن أعظمها قسوة القلوب والجرأة على تجاوز الحدود -عياذا بالله تعالى- وهذه أدواءٌ حذّرت الشريعة الغرّاءُ منها ودعت إلى قطع أسبابها، قال عزّ شأنه:-

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: 46].

وقال سبحانه:-

{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سورة الزمر: 22].

وقال جلّ وعلا:-

{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [سورة الحج: 53].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

وعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّ رَجُلًا، شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.

ومن المعلوم شرعًا أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المنافع فإذا توهّم الناشرون لها منفعة كالترحّم على الشهداء أو إظهار بشاعة العدو وظلمه فهي لا تصمد أمام تلك المفاسد.

وإنّي من هذا المنبر المبارك أقول لهؤلاء:-

اتقوا الله تعالى في خلقه وتذكّروا كرامة الإنسان على خالقه جلّ جلاله وعمّ نواله، كما يجب أنْ لا ننسى مراعاة شعور ذوي الشهداء ومحبيهم ومدى موافقتهم على نشر تلكم الصور من عدمه.

أما أنْ يُقسِم ناشر الصورة أو المشاركة على الناس بأنْ يُظهروا إعجابهم بما نشر فذاك مكروه في شريعة الإسلام الغرّاء؛ قال الحق جلّت قدرته:-

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 224].

أمّا لعن الشيطان فيجوز بشكل عام، قال الحقّ سبحانه:-

{— وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ —} [سورة النساء: 117، 118].

وقال سيِّدُنَا عبدُ الله بنُ مسعود رضي الله تعالى عنه:-

(وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ؟) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.

إلّا فيما ورد فيه الاستثناء كقوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(إِذَا عَثَرَتْ بِكَ الدَّابَّةُ فَلَا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَنَعَتُهُ، وَلَكِنْ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَاغَرُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.

ولقد رُوي:-

(أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَلَعَنَتْ بَعِيرًا لَهَا فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَدَّ وَقَالَ: لَا يَصْحَبُنِي شَيْءٌ مَلْعُونٌ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ في علاه.

كذا سائر اللعن والسبّ فكلها من الفواحش التي نهى الله سبحانه عنها في نصوص الكتاب العزيز والسنّة الشريفة والتي منها قول الله تبارك اسمه:-

{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام: 108].

وقوله جلّ وعلا:-

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [سورة البقرة: 83].

وقوله عزّ وجلّ:-

{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [سورة المؤمنون: 3].

وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ فَاحِشٍ مُتَفَحِّشٍ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

كذا الدعاء على الناس والأجهزة وما شابه ذلك لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

ومن الضروري جدًّا تعظيم لفظ الجلالة وما يتعلق بالله عزّ وجلّ وكلامه ونبيّه الكريم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كذا سائر الأنبياء عليهم السلام؛ قال سبحانه:-

{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [سورة نوح عليه السلام: 13].

ولقد أمر الله تعالى بتعظيم شعائره وحرماته فقال عزّ من قائل:-

{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [سورة الحج: 30].

وقوله تعالى:-

{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سورة الحج: 32].

فكيف بتعظيم حبيبه ورسوله ومصطفاه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الذي جاء بالشريعة الغراء؟ ومن أعظمُ حرمةً من حضرته؟ والآيات في تعظيمه كثيرة، فمن ذلك قوله عزّ شأنه:-

{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور: 63].

كل ما سبق وغيره ممّا يُكره ويدخل في دائرة الحظر الشرعي، والأجدر بالمسلم الواعي تركه، وينبغي له أنْ يستثمر هذه الوسيلة وغيرها استثمارًا نافعا يخدم بها دينه ويتواصل مع الناس بالخير، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة اللطيفة؛ قال سبحانه:-

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].

وينبغي للمسلم أنْ يجتنّب المحرّمات والمكروهات وإضاعة الأوقات وأنْ يسأل نفسه قبل المشاهدة أو المشاركة لماذا أفعل ذلك وما الثمرة المرجوة منه؟ لأنّنا مُحاسبون يوم القيامة على الصغيرة والكبيرة قال عزّ من قائل:-

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سورة الكهف: 49].

وقال:-

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 18].

وقال حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

والله عزّ وجلّ أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على صاحب الخلق العظيم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه المتبعين لصراطه المستقيم.