2013/06/22
السؤال:
سيّدي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) اللهمّ إنّي أسألك بأسمائك الحسنى، اللهمّ وأسألك بنبيّك سيّدنا محمد (صلّى الله عليه وسلّم) أنْ ترزق حضرة شيخي سعد الله النظر إلى وجهك الكريم في الدنيا والآخرة واحشره يا رب مع نبيّك وحبيبك سيّدنا محمّد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
سيدي: سائل يسأل:-
رجل وَاقَعَ امرأة في الزنا وحملت بولد ثمّ عقد عليها فهل يعتبر ذلك الولد ابن زنا أم ابنا شرعيا؟ فما حكم الواقعة شرعا موثقة بمصادر فقهية.
الاسم: نزار عباس
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا كلّ خير على دعواتك الكريمة المباركة ومشاعرك النبيلة الصادقة وأدعو لك بمثلها.
لقد نهى الله عزّ وجلّ عن الزنا ومقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه لِمَا فيه من إثم عظيم، ولِمَا يشتمل على أنواع من المفاسد منها:-
المعصية، وإيجاب الحدّ على نفسه، واختلاط الأنساب فلا يَعْرِفُ الرجل ولد من هو، ولا يقوم أحد بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل، وخراب العالم، فبئس الطريق، وبئس المسلك هو، قال ربنا سبحانه:-
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [سورة الإسراء: 32].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ نُطْفَةٍ وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُ) الإمام ابن أبي الدنيا رحمه الله جلّ في علاه.
وعَنْ سيّدنا أَبِي أُمَامَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-
(إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا: مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
فإذا كانت المرأة ذات زوج فإنّ كل مَنْ تلده حال قيام الزوجية يُنسب لهذا الزوج، فلو ادّعى رجلٌ أنّه زنى بهذه المرأة وولدت منه وأراد أنْ يُلحق هذا الولد به دون زوج المرأة، فإنّه لا يُلحق به وإنّما يُلحق بالزوج لقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) متفق عليه.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-
(وَمَعْنَى لَهُ الْحَجَرِ، أَيْ لَهُ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ) شرح النووي على مسلم (10/37).
وهذا لا خلاف فيه.
أمّا إذا لم يكن للمرأة زوج وأراد الزاني أنْ يُلحق ولده من الزنا بنَسَبِهِ فإنّ هذا تعددت فيه آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والجمهور على أنّه لا يُلحق به، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَوَلَدُ الزِّنَى لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: يَلْحَقُ الْوَاطِئَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: يَلْحَقُهُ إذَا جُلِدَ الْحَدَّ، أَوْ مَلَكَ الْمَوْطُوءَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: يَلْحَقُهُ. وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوُهُ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا إذَا زِنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ حَمْلهَا، وَيَسْتُرَ عَلَيْهَا، وَالْوَلَدُ وَلَدٌ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ، فَادَّعَاهُ آخَرُ. أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ) المغني (6/345).
وينسب إلى أمّه وأهلها نسبة شرعية صحيحة، تثبت بها الحرمة والمحرمية، وتترتب عليها الولاية الشرعية، والتعصيب، والإرث، وغير ذلك من أحكام البنوّة، لأنّه ولدها حقيقة ولا خلاف في ذلك.
أمّا نسبة الولد إلى (أبيه من الزنى) فيتّضح ممّا تقدّم أنّها غير جائزة عند جمهور العلماء، وأجاز ذلك غيرهم من كبار العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وإنْ كان الأخذ برأي مَنْ أجاز نسبة الولد إلى أبيه الزاني يدرأ مفسدة كبرى لا يمكن درؤها إلّا بذلك فيؤخذ به.
والذي أراه والله عزّ وجلّ أعلم: الأخذ بالقول الثاني وهو نسبة الولد لأبيه في هذه الحالة لأنّ زواج الوالد الزاني بأمّ ولده يعتبر اعترافا منه به فلا حرج من نسبته إليه كونه والده الحقيقي.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.