2013/07/05

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليكم، (سؤال حول إعطاء جواب شرعي لسائل)

سيّدي الفاضل هل يجوز الإجابة على سؤال من سائل في المسجد، أو في المركبة، أو في الدائرة، أو سؤال من الأهل والأقارب والأصدقاء وغيرهم، نحو: كفارة اليمين.

العلة:

1-   أنّ السائل يعرف أنّ هذا الشخص الذي سأله من رواد المسجد.

2-   لظروف البلد، كثير من المساجد تخلو من الأئمة فقط خطيب الجمعة.

3-   الذي وُجّه إليه السؤال خرّيج تربية إسلامية.

4-   أو أنه متفقّه بأمور الدين مثلا.

5-   خلاصة السؤال أنه غير متخصص بأمور الشريعة وغير مجاز.

 

صيغ إعطاء الجواب:

    أولا: من القرآن عن طريق كتابه الجواب بورقة وإعطاؤها إلى السائل.

    ثانيا: من النت.

    ثالثا: عن طريق شيخه.

    رابعا: من السنة النبوية الطاهرة.

    خامسا: هناك مصادر موثوقة كثيرة.

 

فهل يجوز الإجابة على مثل تلك الأسئلة؟ علما أنها بعيدة عن موضوع الفتوى وشروطها وشروط المفتي.

 

أسأل الله العظيم أنْ يمنّ عليكم بالصحة والعافية لصيام شهر رمضان وأمة سيّدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)

 

(إني أحبك في الله) سلام.

الاسم: عدنان المؤذن

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أسأل الله جلّ وعلا أنْ يبلغني وإياك وجميع المسلمين شهر رمضان المبارك بأمن وأمان وسلامة وإسلام، وأحبّك الله الذي أحببتني من أجله.

يقول ربنا سبحانه وتعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء[85]، ويقول جلّ جلاله وعمّ نواله {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} يوسف عليه السلام[76]، وقال عزّ وجلّ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل[43] – الأنبياء عليهم السلام [7]، وقال سبحانه {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} النحل[116].

ويقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (تَفترِقُ أمّتي على بِضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال) الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، ويقول عليه الصلاة والسلام (أَجْرَؤُكم على الفُتْيا أجرؤكم على النار) الإمام الدارمي رحمه الله تعالى. ويقول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إنَّ عيسى بن مريم عليه السلام قال: إنّما الأمور ثلاثة: أمرٌ يتبيّن لك رشده فاتّبعه، وأمرٌ يتبيّن لك غيّه فاجتنبه، وأمرٌ اختُلِفَ فيه فردّه إلى عالمه) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

هذه بعض النصوص التي تدلّ على أنَّ الإنسان مهما بلغ من العلم فلنْ يُحيط بكلّ شيء علما، وأنّ الجاهل بالحكم يجب عليه أنْ يسأل المختصّين، ومن أفتى بغير علم فقد كذب على الله عزّ وجلّ وعلى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وضلّ طريق الحقّ وأضلّ غيره عنه، ولقد سُئِل سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم عن خير البقاع وشرِّها فقال: (لا أدري حتى أسأل جبريل) كما روى ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده وهو صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بذلك يرسم للناس من بعده الطريق الأمثل لنشر العلم والإجابة على الأسئلة.

ولقد كان سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين يعظمون أمر صدور الفتوى من غير أهلها، فعن الإمام الشعبي رحمه الله تعالى قال (أدركت أصحاب عبد الله وأصحاب علي وليس هو لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن، قال: وكان أبو بكر يقول: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى. وعن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّه قال (ليس عامٌ إلا الذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثمّ يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم) الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال (إنَّ من أفتى الناس في كلّ ما يسألونه عنه لمجنون) الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وعن سيّدنا عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه قال (أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ودّ أنّ أخاه كفاه ولا يحدث حديثا إلا يودّ أنّ أخاه كفاه) الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.

فالفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر، لأنّ المفتي قائم مقام سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فهو وارثه ونائبه ينوب عنه في تبليغ الأحكام وتعليم الأنام يَقُولُ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِى جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، ويقول الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إعلام الموقعين (وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات).

 

فإذا كان أصحاب سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ورضي الله تعالى عنهم والعلماء والفقهاء العظام رحمهم الله تعالى يتحرجون من الفتوى رغم أنّهم خزائن أسرارها ورواة أخبارها وحفّاظ آثارها ونواة معارفها فكيف بمنْ كان مُبْتدأ في طلب العلم فضلا عن العامة من الناس؟

 

فلا يجوز لأحد أنْ يُفتيَ بغير علم.

وخلاصة الأمر أنّ منْ كان له شيء من العلم والمعرفة ولم يبلغ مرتبة الاجتهاد فللعلماء فيه أقوال منها:

جواز الإفتاء عند عدم وجود المجتهد، وعدم الجواز عند وجوده، وهذا يعتمد على إمكانية التوصّل إلى ذلك العالم أو المجتهد، فإنْ كان السائل يمكنه التوصّل إلى عالم يهديه السبيل لم يحلّ له استفتاء منْ كان دونه علما ومعرفة، ولا يحلّ لهذا أنْ ينصب نفسه للفتوى مع وجود العالم، وإنْ لم يكن في بلده أو ناحيته غيره فلا بأس بالرجوع إليه، لأنّ ذلك أولى من أنْ يقدم على عمل بلا علم ولا دراية فيبقى في حيرة وارتباك وتردد، بل يكون ذلك هو المستطاع من تقواه المأمور بها.

أمّا العاميّ إذا عرف حكم مسألة بدليلها فللعلماء فيه أقوال أربعة:

الأول: له الإفتاء به ويسوغ لغيره تقليده ولكن ليس على الإطلاق لعدم قدرته على الاستدلال، وعدم معرفته بما يعارضه، وربما يظن ما ليس بدليل دليلا.

والثاني: له الإفتاء مطلقا كونه أصبح له العلم به كما هو حال العالم غير أنّ العالم يتميز عنه بقوة الاستدلال ودفع المعارض له.

والثالث: إنْ كان نصاً من كتاب أو سنّة فجاز وإلا فلا يجوز له الإفتاء.

والرابع: إنْ كان نقلياً من كتاب أو سنّة أو إجماع فجاز له الإفتاء وإلا فلا.

أمّا إذا كان المسؤول ينقل ما بلغه من فتاوى أهل الذكر رضي الله تعالى عنهم وعنكم فلا بأس به بشرطين:

الأوّل: أنْ يكون ثقة قد اشتُهِرَ بمجالسته لأهل الذكر والنقل عنهم.

الثاني: أنْ يكون ذا فطنة وروية.

والله تبارك وتعالى أعلم.