2013/07/06

السؤال:

شيخي وسيّدي حضرة الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله ورعاكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندما أقيمت الصلاة في المسجد يقف في الصف الأوّل أو الثاني صبيان بأعمار من 7 الى 14عاما فيرجعهم الإمام أو المصلين فهل يصح هذا؟ وهل يقطع الصبي بهذه الأعمار الصف؟

 

وجزاكم الله خيراً.

 

الاسم: سعد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله تعالى كلّ خير على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.

لقد ثبت في سنة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم الحثّ على تقدّم أهل العلم والفضل في الصف الأوّل للصلاة ليكونوا قريبين من الإمام، إذ قد يحتاج إليهم في الاستخلاف، أو تنبيهه عندما يسهو، فعن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ أنْ يليه المهاجرون والأنصار في الصلاة ليأخذوا عنه) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.  وفي نفس الوقت كان للصبيان مكان في مسجد سيّد الخلق صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فهو القائل (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وقد وصف سيّدنا أبو مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه الصلاة في مسجد سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه ‏وسلم فقال (إنه كان يسوّي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوب الناس، ويجعل الرجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان، ويكبّر كلما سجد وكلما رفع، ويكبّر كلما نهض بين الركعتين إذا كان جالسا)الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وبعد هذا أقول وبالله تعالى التوفيق:

إنّ صفّ الرجال ثمّ الصبيان هو الأصل في السنة النبوية المطهرة، وهو ما ينبغي أنْ يتربى عليه أبناؤنا لما فيه من احترام الكبير وتوقيره، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ليس من أمتي منْ لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.  لكن إذا حضر الصبيّ (المميّز) قبل غيره إلى المسجد وجلس في المقدّمة حيث وجّهت السنّة الشريفة فلا يحقّ لأحد كبيرا كان أم صغيرا أنْ يؤخّره عن مكانه الذي جلس فيه لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَن سَبَقَ إلى ما لم يَسبقْهُ إليه مسلمٌ فهو له) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى. ويُفهم هذا أيضا بما ثبت عن سيّدنا سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال (أتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره فقال: يا غلام أتأذن لي أنْ أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله فأعطاه إيّاه) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

ثمّ إنّ إبعاد الصبيّ وتأخيره عن الصفّ قد يترك أثرا سلبيا بالغا فيه، فقد يؤدي إلى كسر قلبه، وتنفيره من الصلاة، وبغضه للمسجد ولمنْ تشرّف بالخدمة أو الصلاة فيه، وكم من الشباب اليوم ابتعدوا عن المساجد والصلاة فيها بسبب حَمْلهم في سجل ذكريات طفولتهم موقفا تعرضوا له في المسجد من ضرب أو إهانة أو ازدراء وعدم مبالاة.

ويطيب لي أنْ أذكر في هذا المقام ما ثبت عن عبد الله بن شدّاد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا أو حسينا، فتقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثمّ كبّر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبيّ على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدْتَّ بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنّه قد حدث أمرٌ أو أنه يُوحى إليك، قال: كلّ ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهتُ أنْ أعجله حتى يقضي حاجته) الإمام النسائي رحمه الله تعالى. نعم كان النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم يعطيهما مثل هذا المجال مع كونه يصلي إماما بالناس، وترتبَ على فعل أحدهما رضي الله تعالى عنهما أنّ صلاته عليه الصلاة والسلام بالناس تأخّرت عن المعتاد حتى ظنوا أنه حدث أمرٌ أو نزل وحيٌ على حضرته لكنه علّل ذلك بشيء آخر وهو قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (كلّ ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهتُ أنْ أعجله حتى يقضي حاجته). فتأمّل رحمك الله تعالى إلى قوله هذا وفعله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، ولقد قدّر الله تبارك وتعالى حصول مثل هذه الحالات النادرة في سيرة سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام حتى نستدلّ بها على هذا التوجيه.

أمّا إذا لم يكن الصبيّ ممِّيزاً، فالذي أراه هو عدم اصطحابه للمسجد لما روي عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمّروها في الجمع) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

ولأنّ الصبيّ غير الممِّيز لا يعرف لبيت الله تعالى حرمته ومكانته غالباً، فقد يعبث بأغراض المسجد أو يشغل المصلين عن صلاتهم، فإنْ كان ولابدّ من إحضاره لظرف طارئ فينبغي أنْ يكون قريباً من أبيه أو أمّه حتى لا يتمكن من فعل شيء يخلّ بنظام وآداب المسجد، وليتعلم الصلاة وخشوعها منهما.

وهنا أودّ أنْ أوجّه إلى أمر يجسّد حضارة الإسلام ويكشف عن ذوقه الرفيع في التعامل مع الأطفال الذين يرتادون المساجد ويتفق مع الرسالة التي شرّفني الله تبارك وتعالى ووفقني بالدعوة إليها وهي (إحياء رسالة المسجد)  فأقول وبالله تعالى التوفيق:

إذا كانت هناك مساحة جيدة في المسجد غير الحرم فمن الممكن استثمارها وجعلها خاصّة بالأطفال، وذلك من خلال تثبيت بعض الألعاب لينشغلوا بها عندما يكون آباؤهم وأمهاتهم يؤدون صلواتهم، فبذلك نكون قد حققنا الكثير من المصالح وتجنبنا الكثير من المفاسد.

أمّا بالنسبة للشطر الثاني من سؤالك: فالرأي الراجح عند العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ الصلاة لا يقطعها شيء فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أقبلت راكبا على حمار أتان – أنثى الحمار – ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمرَرْتُ بين يديّ بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

والله عزّ وجلّ أعلم.