2013/7/9

مشاركة من فضيلة الشيخ عبدالخالق الحسيني جزاه الله خيراَ.

:: وصية حضرة الشيخ عبدالحميد الآلوسي ::

هذا جواب حضرة الشيخ عبد الحميد الآلوسي قدّس سرّه عن سؤال ورد إليه من حضرة الشيخ محمد أمين قدّس سرّه مع توجيهات ووصايا كانت قبل إجازة الإرشاد له بسنتين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أحمدك يا حميد على أنْ شرحت صدور أوليائك لِمَا أوْليْتَهُم من الكرامة في عالمي الكون والمثال، وأشكرك يا شكور على ما  منحت به قلوب أحبائك من الإقامة في نهج الاستقامة على التحلّي بمرتبتي الجمال والجلال، وأصلي وأسلم على أمين أسرار تجليات أحديتك، والمأمون في ساحة قربك من شوائب البعد عن شآبيب فيوضات صمديتك، وعلى آله أقطاب دوائر طرائق العرفان، وأصحابه مواكب أفلاك حقائق الحقيقة والإحسان.

أما بعد: فإنّ النصيحة أعظم مطلوب في الدين، وأهمّ مقصد يعتمده خيار المسلمين، لحديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ يا رسول الله؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وحيث كنتَ يا أمينُ أمينَ سرِّي ومعدن أنسي ومستودع ودادي وشقيق نفسي وإخوانك في الطريقة أولاد قلبي وشركائك في مواصلتي وقربي حرّرت لك رفيق النصح في هذه النميقة الرائقة تتلو عليك وهي صامتة، أنباء صدق بمحض الحق المبين ناطقة، حاصل ما يعرب عنه مضمون ألفاظها ومعانيها، وخلاصة ما ينطوي عليه منشور سجلات ظاهرها وخافيها، إنّ أرباب الذوق السليم والطبع المستقيم تيقنوا لا محالة أنّ الدنيا ظلٌّ سريع التقلص والذهاب، ومنزلٌ راحلٌ إلى الله أنْ يكون له عودٌ وإياب، فبادروا بالهمم العالية على اقتحام الأهوال والمشاق، ووثبوا على الإقدام مرخصين الأرواح الغالية على محاربة النفوس بمزيد بذل وشقاق، حتى اتخذوا الدنيا ورائهم ظِهْريا، وبلغوا من مراتب الرضا والتسليم مقاما عليا، فقرّت منهم العيون بمشاهدات أنوار القدس في رياض الأنس، وانكشف لهم حجاب العين عن أسرار الغيب مذ تنزهوا عن كل عيب وريب في الحَدس والحِسّ ، فلا ينبغي لمَنْ أخذ التوفيق بيديه ونشرت صحف العناية الربانية عليه أنْ يلتفت إلى لذائذ الدنيا وزينة نظامها ويأخذ بنظام زخرفها وخطام حطامها، خصوصا بعد تدبر خبري (لا يجتمع حبّ الدنيا وحبّ الآخرة في قلب مؤمن كما لا يجتمع الماء والنار في إناء واحد)، و (منْ أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومَنْ أحبّ آخرته أضرّ بدنياه) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، إذ المنفتح للذهن في بادئ الرأي من منطوق هذين الخبرين والمتضح لدى أرباب الألباب من خلال نظام هذين الأثرين، أنّ حبّ الدنيا إذا أخذ بمجامع القلب ألهى العبد عن التهيأ لأنوار تجليات جناب الربّ، والمراد بحبّ الدنيا تعشق القلب بها وصرف الهمة للمكاسب الدنية والمطالب الردية بسببها حتى يشتغل قلبُه عن سائر عباداته وصلاته، وتكون شهواتها الفانية أشهى إليه من لذاته الباقية المنوطة بطاعته تعالى ومرضاته، وهو سكران بخمرتها، نشوان مآثمها، ثملٌ بلذتها، فمَنْ كانت هذه سِمَته فهو من عبيد الدنيا وحزبها، ومَنْ كانت تلك بضاعته نسب إليها وعُدّ من أهلها وذوي حبّها، وكانت تجارته بائرة وصفقته خاسرة، وأمّا مَنْ صرف للاشتغال بالدنيا حواسه الظاهرة، ووجّه حواسه الباطنة لمحض تدبير مصالح الآخرة، قلبه على الدوام راتع في رياض المشاهدة، وجوارحه متشبثة بكسب ما تترتب عليه الفائدة، من صلة الرحم وبر الوالدين والصدقة على مستحقيها وقضاء الدين والنفقة على عياله وأطفاله الصغار وإكرام الضيف وترفيه حال الجار فلا بأس في ذلك، ولا حرج فيما هنالك ولا يُعَدّ ذلك من حزب الدنيا ومحبيها ولا يُحسب من خدام أعراضها ومواليها لحديث (ليس الرجل رجل الدنيا وحدها ولا الرجل رجل الآخرة وحدها إنما الرجل رجلهما) ولحديث (كفى المرء أثما أن يضيع قوت من يعول) الإمام النسائي رحمه الله تعالى، وإذا تأملت قوله تعالى {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة/201]، وقوله عليه الصلاة والسلام (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وقول الصادق رضي الله عنه فيما يرويه عن جدّه عليه الصلاة والسلام (اللهمّ أعني على ديني بدنياي وعلى آخرتي بالتقوى) الإمام الديلمي رحمه الله تعالى، علمت أنّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى وللعلماء في أفضلية الغني الشاكر على الفقير الصابر قولان والله المستعان في كلّ وقت وآن.

هذا ومَنْ رام السلوك من الناس على يديك في الطريقة الرفيعة الرفاعية على وفق ما أشرتُ عليك من السلوك في الطريقة العليّة القادرية فسلّكْهُ بشرط أنْ لا يحصل لك تشويش ومنازعة وأنْ لا تصل إلى مرتبة المدافعة والمرافعة مجتنبا للضرب بالحديد والدف تاركا لاستعمال النار والاشتغال بالسيف لأن ذلك ممنوع طريقة حسبما هو ممنوع في الشريعة ومعدود بين أولي القلوب من العادات المنكرة والبدع الشنيعة، وورد الرفاعية قدس الله أسرارهم بل أوراد سائر الطرق كورد القادرية قدس الله أسرارهم بلا اختلاف ولا فرق نعم لهم على أنفسهم في اليوم والليلة زيادة تقدير وهو مائة مرة ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير” والسلام عليك وعلى جميع إخوانك ومحبيك ومنْ في سرّ مَنْ رآى يسرّك ويواليك.

1280 هـ الآلوسي

وهذه أبيات من الشعر في رثاء الشيخ محمد أمين بعد موته رثاه بها ملا طعمه حلاوي من الهند أو من باكستان يقول فيها :

 قد مضـى لله شيـــخ كـامل                   كان يهدي الناس للحق المـبين

كان شيخا صـالـحا ذا ورع                   حـسـن الأخـلاق ذا زهد ودين

ذكـر الله كـثـيــرا راجـــيــا                    عــــفـو رب غافر للـذاكــريـن

في جوار الله أضحى نازلا                    في جنان الخلد مع حور وعين

فله البشرى بـمـا قد أرخوا                    يدخــــل الـجـنـات والله أمــيـن

ملاحظة: أخذت هذه الأبيات من السيّد طه محمد شفيق وهو أخذها من مخطوطة كانت عنده باسم (الدرّ النضيد في مناقب الشيخ عبد الحميد) وقد أخذ المخطوطة منه الدكتور أحمد السامرائي أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة لايدن في هولندا لأجل تحقيقها، ولكنه قد انقطعت أخباره من يوم سفره، كما أنّ الشطر الثاني في آخر بيت يعطي سنة وفاة الشيخ محمد أمين بطريقة الحساب على أحرف الهجاء.

 الرد:

رضي الله تعالى عن هؤلاء العظماء، وقدس أسرارهم رب الأرض والسماء، وأعلى مقاماتهم قُرب سيد الأنبياء، صلوات الله سبحانه وسلامه عليه وآله وصحبه ما أعقب الظلام ضياء، وبارك الله الرازق، بالسيد عبدالخالق، على هذه المشاركة المباركة التي أكدت الحقائق، وأرشدت لكل خُلق فائق.