2031/7/11

مشاركة من فضيلة الشيخ مثنى حسن جزاه الله خيراً.

:: المشاكل الزوجية ::

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على حضرة خاتم النبيين سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فما أكثر المشاكل التي تحدث بين الأزواج في هذه الأيام فلا يكاد يمضي أسبوع أو اثنان إلا ونسمع فيه أنّ فلانا الشاب الذي تزوّج من ابنة فلان قبل شهر أو شهرين أو سنة قد حصل طلاق بينهما، لماذا؟ تتعدّد الأعذار فمنهم مَنْ يقول: لأنه لم يحدث انسجام بينهما، ومنهم مَنْ يقول: حدث الطلاق بسبب تدخّل أهل الزوج والزوجة في خصوصيات علاقتهما، ومنهم مَنْ يوعز السبب إلى العصبية التي تربّعت في عقول وقلوب الكثير من الأزواج وأهاليهم، وأرى والله تعالى أعلم أنّ السبب الرئيس لكلّ المشاكل التي تحدث بين الأزواج هو: جهل الزوجين وأهلهما بشرع الله تبارك وتعالى، بل وتعاليهم في بعض الأحيان على تطبيق هذا الشرع، وقد نجَمَ عن هذا السبب أمران خطيران:

الأوّل: عدم تربيتنا لأبنائنا وبناتنا التربية الصحيحة التي وجّهنا وأمرنا بها الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.

الثاني: الخطأ في اختيار الزوج والزوجة فالمؤهلات التي يصبو اليوم إليها الشاب وأهله أو البنت وأهلها هي غير المؤهلات التي أكّد عليها الشرع الشريف والتي لخّصها النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقوله: (إذا جاءكم من ترضَوْنَ دينه وخُلقه فأنْكِحُوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا يا رسول الله! وإنْ كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنْكِحُوه ثلاث مرات) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، هذه مؤهلات الزوج الأساسية وقال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم عن مؤهلات الزوجة: (تُنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفِرْ بذات الدين تربت يداك) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، لماذا فاظفر بذات الدين؟ لأنّها كنز ثمين كما وصفها النبيّ الأمين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين إذ قال لسيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

هذه هي المؤهلات التي ذكرها سيّد السادات عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات، فإذا توفّرت في الزوجين تحققت الغاية المنشودة من الزواج وهي الديمومة والبقاء في جوّ من المحبة والمودة والوفاء قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم/21]، فلمّا قصّرنا في الأخذ بتوجيهات الله تعالى وتوجيهات رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في هذا الموضوع وغيره كثرت المشاكل وقلّت الحلول، وأخذت فترات الخصام تطول، وظهرت الرغبات والميول، واختُلِقت الأعذار واختلفت والنقول، فحضر الشيطان، وانطلق اللسان، بكلام يغضب الواحد الديّان جلّ جلاله وعمّ نواله، وإليكم أيها الأحبة بعضا من ذلك الكلام:

* بنت شابة متزوجة تحدّث صديقاتها غير المتزوجات عن خصام بينها وبين زوجها كانت هي المخطئة فيه، فقال لها صديقاتها: ألا تعتذري من زوجك؟ فقالت: لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أنْ أعتذر منه بل هو الذي يجب أنْ يأتي إليّ ويعتذر منّي ويقبّل قدمي بل حذائي .

* مشكلة بسيطة حدثت بين زوجين فقال أهل البنت للزوج: طلقْها فغداً سنزوّجها مَنْ هو أفضل منك مالا وقدرا وجاها، ثمّ التفتوا إلى ابنتهم فقالوا لها: لا تبالي ولا تقلقي فألفُ شابّ يتمنى نظرة منكِ، فتُطلّق البنت المسكينة فلا تجد واحداً من هؤلاء الألف يطرق بابها ليخطبها.

* متزوجة طائعة لزوجها تجد نسوة عدّتْهُنّ صديقات لها وما هنّ لها بصديقات يقلن: لا تكوني طائعة لزوجك في كلّ شيء فإنك إنْ فعلت ذلك فإنه سَيَتفرْعنُ عليكِ ، بل عليك أنْ تزدريه وترادديه حتى يحسب لكِ حساباً.

* أخرى تقول: لا تكوني عنده كالأسيرة بل كالأميرة فهو مَنْ ينبغي أنْ يكون كالأسير بين يديك الراكع تحت قدميك.

سبحان الله: هل هذا الكلام ينبئ عن تربية وفق منهج الله تبارك وتعالى؟ لا والله، فما كانت النتيجة؟ فراق وطلاق، وهدمٌ للقيم والأخلاق.

وهنا أريد أنْ أذكر بعض الحقائق الشرعية، التي غابت عن حياتنا الزوجية، ما هي هذه الحقائق؟

1- طاعة الزوج مقدّمة على طاعة الوالدين وهذا يعني إذا تعارض أمرُ الزوج مع أمر الوالدين فالطاعة تكون للزوج لا للوالدين، والدليل على ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: أدخلي الجنة من أيّ أبواب الجنة شئت) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: (أيّما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

فالزوج إما أنْ يكون سببا لدخول زوجته الجنة إذا رضي عنها، وإمّا أنْ يكون سببا في دخولها النار إذا سخط عليها، ما الدليل على ذلك؟ جاءت عمّة سيّدنا عبد الله بن محصن رضي الله تعالى عنهما فدخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لحاجة لها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى حاجتها ثمّ قال لها: (أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت : ما آلو إلا ما عجزت عنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

2- إذا سخط الزوج على زوجته بالحق لا بالباطل يترتب عليها أحد أمرين أو كلاهما:

الأول: لا يقبل الله تعالى منها صلاة، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

الثاني : اللعنة وهي الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى، فعن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: — وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط —) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

3- حقّ الزوج على زوجته عظيم، قال سيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين: (لا يصلح لبشر أنْ يسجد لبشر ولو صلح لبشر أنْ يسجد لبشر لأمرتُ المرأة أنْ تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجسُ بالقيح والصديد ثمّ استقبلته فلحسته ما أدّت حقه) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وقد تقول المرأة: لماذا كلّ هذا للزوج؟ وأقول: هكذا أراد الله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا كنتِ مؤمنة حقا فاسمعي قول ربّك سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [ الأحزاب/36]، ثمّ إنّ هذه الطاعة إذا قورنت بعظيم ثوابها وأجرها عند الله تبارك وتعالى سهلت لا سيما إذا كانت الزوجة صادقة مخلصة فإنّ الله جلّ وعلا سيُيَسِّر ذلك عليها.

4- إذا ما حدثت مشكلة بين الزوجين فينبغي أنْ يتركا ليَحلانها بينهما ولا يتدخل أحدٌ إلا إذا طُلب منه التدخّل، وإذا تدخّل فينبغي أنْ يكون تدخّله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويكون بنيّة الإصلاح لا بنيّة هدم البيوت وخرابها، قال الحقّ جلّ وعلا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [ النساء/35].

لكن اليوم آباء وأمهات يعينوا بناتهنّ على أنْ يُطلقنَ من أزواجهنّ لأتفه الأسباب، فأيّ دِين هذا؟ والنبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم يقول: (أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنة) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وبالمقابل أيضا هناك آباء وأمهات يشجعون أبنائهم لأنْ يطلقوا نسائهم لأتفه الأسباب أو يوجهوهم لأنْ يعاملوا زوجاتهم أسوأ معاملة، فأيّ إسلام هذا؟ والنبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم يقول: (استوصوا بالنساء خيرا فإنهنّ عندكم عَوَان) الإمام النسائي رحمه الله تعالى، والعَوَان هو الأسير، والأسير في الإسلام يُكرم ولا يُهان.

أيها الآباء والأمهات يا منْ تتحملون اليوم مسؤولية أبنائكم وبناتكم: راجعوا ذكرياتكم وانظروا كم عانت وتحمّلت أمهاتنا من آبائنا؟ في زمن كان التعامل فيه غالبا جافا، صعبا، قاسيا، بسبب الأعراف والتقاليد التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ومع ذلك ما سمعنا أنّ أمّا من أمهات ذاك الزمان قد طلبت الطلاق من زوجها أو وجدت منْ يشجعها عليه، لماذا؟ لأنّ التربية كانت صحيحة، لأنّ الفطرة كانت سليمة، لأنّ المرأة كانت إذا تزوّجت رضيت بقسمتها وتحمّلت من زوجها ما تعجز بنات اليوم أنْ يتحملنَ عشر معشاره.

كان الآباء والأمهات يوصون بناتهم قبل الزواج أنْ لا يأتين إلا زائرات، فإذا أتت إحداهن غاضبة من زوجها أو متخاصمة معه أعادوها هم بأنفسهم إلى بيت زوجها، ولا يعدّون ذلك نقصا فيهم بل واجبا عليهم، وبالمقابل كان الزوج يقدّر ذلك ويعدّه فضلا من أهل زوجته وتكرمة.

ويطيب لي في هذا المقام أنْ أختم بوصية أمّ لابنتها يوم زفافها، لو طُبّقت هذه الوصية اليوم لما حدثت مشكلة بين زوجين، ما هي هذه الوصية؟

قالت الأمّ: أي بنيّــة إنك قد فارقت بيتك الذي منه خرجتِ، ووكرك الذي فيه نشأتِ، إلى وكرٍ لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، فكوني له أمَة، يكنْ لك عبدا، واحفظي له عشر خصال يكن لك ذخرا.

أمّا الأولى والثانية: فالصحبةُ بالقناعة والمعاشرةُ بحسن السمع والطاعة.

وأمّا الثالثة والرابعة: فالتعهّد لموقع عينيه، والتفقّد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمنّ منك إلا أطيب ريح، والكحلُ أحسنُ الحسنِ الموصوف، والماء والصابون أطيبُ الطيب المعروف.

وأمّا الخامسة والسادسة: فالتفقّد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإنّ حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مكربة.

وأمّا السابعة والثامنة: فالعناية ببيته وماله، والرعاية لنفسه وعياله.

وأمّا التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمرا ولا تفشي له سرّا، فإنك إنْ عصيتِ أمره أوغرتِ صدرَه، وإنْ أفشيتِ سرّه لم تأمنِي غدرَه .

ثمّ بعد ذلك: إيّاك والفرح حين اكتئابه والاكتئاب حين فرحه، فإنّ الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وأشدّ ما تكونين له إعظاما، أشدّ ما يكون لك إكراما، ولنْ تصلي إلى ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاكِ، وهواه على هواكِ، فيما أحببتِ أو كرهتِ، والله يصنع لك الخير واستودعتك الله الذي لا تضيع ودائعُهُ.

أسأل الله تعالى أنْ يصلح أحوال الأسر وأنْ يجمع بين كلّ زوجين على أفضل ما يكون وأحسن حال برحمته سبحانه وتعالى إنه أرحم الراحمين.