2013/07/18
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله شيخنا العزيز. كل عام وانتم والمسلمين بخير ندعو الله أنْ يمنّ علينا بالرحمة والستر والسلامة والعافية والبركة.
سيّدي، أنا أعمل في مصنع وحدث وأن اشترينا ماكنات جديدة ولكن عند تنصيبها لم تعمل الماكنات بتاتاً. قد اقترح أحد القائمين على المصنع بأنْ نذبح ذبيحة لوجه الله وذلك لدرء الحسد أو النفس من الماكنات، وقد وجهنا بتنفيذ المقترح وذبحنا ذبيحة وبدأت الماكنة سبحان الله بالعمل بشكل جيد.
سؤالي هو: هل معتقد بما يسمى”تفجير الدم” من شرع الله سبحانه وتعالى أم هو من المعتقدات الخاطئة؟ أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء والإحسان.
محبكم مصطفى
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على دعواتكم المباركة، أسأل الله تعالى أنْ يكرمك بما هو أهله.
اعتاد البعض من النّاس على ذبح ما يسمى بـ (فجران دم) عند نجاتهم من حوادث معينة أو عند حصول نعمة لهم كشراء بيت أو سيّارة… الخ، تفائلا أو دفعا للحسد كما يعتقد بعض النّاس، وهذه التسمية والاعتقاد ليس له أصل في الشرع الشريف، ولكن إنْ كان يُفعلُ من باب شكرِ الله سبحانه وتعالى باعتباره المُنعم بالنّجاة أو بما فضّل عليه من خير ويبتغي من ذلك دوامها وزيادتها، فلا مانع من ذلك عملا بقول الله عزّ وجلّ {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} سيدنا إبراهيم عليه السلام [7]، فكلّ ما يصدر في هذا الكون هو بقضاء الله تبارك وتعالى وقدره، يقول مولانا عزّ وجلّ {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأنعام [17]، ويقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ – قَالَ – وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ويقول عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام (صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السير تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
علما أنّ شكر الله تبارك وتعالى لا يقتصر على ذبح شيء من النِعَم، بل هناك في الشريعة الغرّاء كثير من العبادات والقربات والأعمال الصالحات التي شرّعها الخالق عزّ وجلّ لعباده ليشكروه بها سبحانه، قال تعالى {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ [13]، ومن ذلك سجود الشكر كما كان هديه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى، ومن ذلك أيضا قيام الليل فعَنْ أمّ المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ) الإمام البخاريرحمه الله تعالى، ومن ذلك أيضا الصيام فإنّ سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ويمكن الجمع بين الحسنيين، العبادة التي هي بين العبد وربّه جلّ وعلا، وهي صورة من صور الشكر، وبين العمل النافع للمجتمع ممّا فيه توسعة على عباد الله تعالى، فقد سُئِلَ نبيّنا المبجّل صلى وسلم عليه الله عزّ وجلّ وعلى آله وصحبه أهل الخير والفضل (أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو سترت عورته، أو قضيت له حاجة) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.