2013/07/18
السؤال:
السلام عليكم
أود أنْ تزيدونا علما عن يحيى بن زكريا عليه السلام منذ ولادته وبعد موته وبعد أن يبعث حيا، وما قصة الملك بقتله؟ وما علاقته بمريم وعيسى؟ وما هي علاقة زكريا بعمران عليهم السلام؟
وشكرا.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أودّ التنبيه على ضرورة تعظيم من عظمه الله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم بالألفاظ الدالة على ذلك من السيادة وغيرها بما يتناسب مع مقام كلّ واحد، ورد اسم النبيّ يحيى عليه الصلاة السلام في القرآن الكريم ستَّ مرات، وجاء ذكره في أربع سور قرآنية هي: آل عمران عليهم السلام، الأنعام، مريم عليها السلام، الأنبياء عليهم السلام.
وجاء الحديث الرئيس عنه في سورة مريم عليها السلام، وقصته عليه الصلاة السلام على صلة وثيقة بقصة سيّدنا زكريا عليه الصلاة السلام لهذا ذكرها القرآن في تضاعيف الحديث عن أبيه سيّدنا زكريا عليه الصلاة والسلام وقد جاء في الحديث قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (لا ينبغي لأحد أنْ يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! ومن أين ذاك؟ قال: أما سمعتم الله كيف وصفه في القرآن فقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم عليها السلام /12]، فقرأ حتى بلغ: {…وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران عليهم السلام/39]، لم يعمل سيئة قط، ولم يهم بها) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى، وبداية قصته في بشارة سيّدنا زكريا بولادة سيّدنا يحيى عليهما الصلاة السلام بعد أنْ بلغ من الكبر عتياً ويَئِس من نعمة الولد، يقول الله تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم عليها السلام/ 7]، فقد دلّت الآية الكريمة على أنّ هذه التسمية إنما هي من الله تعالى ثم يتوجّه الخطاب القرآني إلى سيّدنا يحيى عليه الصلاة والسلام وذلك في قوله سبحانه: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم عليها السلام/12-15]، فأمر سبحانه وتعالى نبيّه يحيى عليه الصلاة السلام بأنْ يأخذ الكتاب والمراد التوراة بجدّ واجتهاد وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام وآداب ثمّ يذكر القرآن الكريم بعضاً من الصفات التي منَّ الله تعالى بها على نبيّه يحيى عليه الصلاة والسلام، وأوّل هذه الصفات الممنوحة فهم الكتاب، والعمل بأحكامه، وهو في سنّ الصبا، روي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قال: (أُعطي الفهم والعبادة، وهو ابن سبع سنين. وجاء في رواية أخرى عنه أيضاً: قال الغلمان لـ يحيي بن زكريا عليهما الصلاة السلام: اذهب بنا نلعب، فقال: أللعب خُلقنا، اذهبوا نصلي) الإمام أبو نعيم رحمه الله تعالى، وكذلك صفة الرحمة التي يعطف بها على الناس، وطهارة في النفس التي أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عزّ وجلّ عنه، وجعله كثير البرّ بوالديه، والإحسان إليهما، وفوق ذلك لم يكن مستكبراً متعالياً مغروراً، ويخبرنا سبحانه وتعالى بقوله: {…مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران عليهم السلام/39]، أنه كان مصدقاً بأنّ سيّدنا عيسى عليه الصلاة السلام رسول من الله تعالى، فالمراد من قوله {بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه سيكون سيّداً، أي: يفوق غيره في الشرف والتقوى وحصوراً، بمعنى: أنه سيكون حابساً نفسه عن الشهوات، وأنه سيكون نبياً صالحا، ثمّ أخبر سبحانه بأنّ الله كتب له الأمن والأمان يوم ولادته، ويوم وفاته، ويوم بعثه، قال سيّدنا سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها سيدنا يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه في هذه الأحوال الثلاثة).
وذكر بعض التفاسير قصة مقتل سيّدنا يحيى عليه السلام، من ذلك ما رواه الإمام الطبري رحمه الله تعالى عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: بَعث عيسى بنُ مريم يحيى بنَ زكريا، في اثني عشر من الحواريين يُعَلّمُونَ الناس، قال: فكان فيما نهاهم عنه، نكاح ابنة الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه، يريد أنْ يتزوجها، وكانت لها كلّ يوم حاجة يقضيها؛ فلمّا بلغ ذلك أمّها، قالت لها: إذا دخلتِ على الملك، فسألك حاجتك، فقولي: حاجتي أنْ تذبح لي يحيى بن زكريا؛ فلمّا دخلتْ عليه، سألها حاجتها، فقالت: حاجتي أنْ تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سلي غيرَ هذا! فقالت: ما أسألك إلا هذا، قال: فلمّا أبت عليه، دعا يحيى، ودعا بطست فذبحه، فبدرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلّتْهُ على ذلك الدم، قال: فألقى الله في نفسه، أنْ يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتل سبعين ألفاً منهم، فسكن.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: (وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل، واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله).
أمّا علاقته بسيّدتنا مريم عليها السلام وسيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فقد قال ربنا تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام/ 33-34]، والذي يذكره أهل التاريخ والسير أنّ سيّدنا عمران والد سيّدتنا مريم عليهما السلام تزوّج من امرأة اسمها حنَّة، وأنّ سيّدنا زكريا عليه السلام تزوّج من امرأة اسمها إِيشَاع، فأنجب سيّدنا عمران وحنّة سيّدتنا مريم عليهم السلام، وأنجب سيّدنا زكريا وإيشاع سيّدنا يحيى عليه الصلاة السلام.
واختلفوا مَنْ تكون إِيشَاع؟ على قولين:
الأول: أنها أخت السيّدة مريم عليها السلام وهو قول الجمهور وعليه فيكون سيّدنا عيسى وسيّدنا يحيى عليهما السلام ابنا خالة على الحقيقة، لأنهما أبناء أختين.
والثاني: أنّ إِيشَاع هي أخت السيّدة حَنَّة (أم السيّدة مريم عليها السلام)، فتكون إِيشَاع خالة مريم عليها السلام.
وللمزيد عن حياة سيّدنا يحيى عليه الصلاة والسلام يراجع كتاب قصص الأنبياء وكتاب البداية والنهاية للإمام بن كثير رحمه الله تعالى.
وينبغي علينا أنْ نكتفي بما جاء في النصوص الصحيحة من كتاب وسنّة مخافة أنْ تدخل علينا أحاديث أهل الكتاب التي قال عنها مَنْ أوتي الحكمة وفصل الخطاب سيّدنا محمّد صلى الله تعالى وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أولي الألباب (ما حدّثكم أهلُ الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإنْ كان باطلا لم تصدّقوه، وإنْ كان حقا لم تكذّبوه) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.
أو نبتلى بأباطيل ما يُسمّى (بالإسرائيليات) إذ العبرة ليست في معرفة الأسماء وإنما في فهم المقاصد والأهداف من قصص القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.