مشاركة من الأخ حسين علي جزاه الله تعالى خيراً.
2013/07/20
:: عريضة السلطان عبد العزيز إلى صاحب الروضة المطهرة ::
كتب السلطان عبد العزيز عريضة يُخاطب فيها روحانية سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وفي ما يلي ترجمة عريضة السلطان مع شيء من التصرف:
“الحمد لله وحده، بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، الصلاة والسلام عليك يا شفيع الأمّة، الصلاة والسلام عليك يا خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى آلهم وصحبهم أجمعين.
إلى النبيّ الأكرم والرسول الأعظم صاحب الرسالة الكبرى الذي مدحه الله تعالى بقول: “لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك“، والمخاطب مِنْ قبل صاحب العظمة والجلال سبحانه، قمر الوجود وسيّد السادات عليه أكمل التحيّات، سيّدنا وشفيعنا وملاذنا وسبب فلاحنا، منبع السعادة ومعدن الرفعة والجلال مربي الأجيال، المظلل بالرحمة والرضوان، خاتم الأنبياء وملجأ الرسل العظام، الشفيع المشفّع يوم القيامة، المتفرِّد بالمقام الرفيع، خاتم ديوان الرسالة، السالك إلى سبيل ربه الحليم، المحبوب عند ربه الرحيم… سيّدنا محمّد المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أتقدّم بالتضرّع الذي لا نهاية له وبكلّ احترام وتقدير، إلى المقام المطهّر، ومرقد الأسد الضرغام، مع عجزي وتقصيري، طامعاً من الجناب الرفيع العفو عنّي، وإنْ كنت غير مؤهل لعرض حالي إلى عتبتكم المطهرة.
وإني أحمد الله تعالى أنْ نلتُ الهداية الربّانية وجعلني من أمّة بدر البدور، وفلك أفلاك الملكوت، الشمس المنيرة صاحب العزّ والمقام المحمود محبوب ربّ العاملين، وخليل الوهّاب الرحيم سيّد الأتقياء وإمام الأنبياء عليه أفضل التحيات، صاحب الصدق والوفا، والفضل والتقى.
وأشكر ربي جلّ شأنه، الواحد الذي لا يزال واحداً، حيث جعلني من الذين قالوا “بلى” حين خلق بني الإنسان وخاطبهم: “ألست بربكم؟” وأستغفر الله من جميع الذنوب، والحمد لله الذي جعلني خادم الحرمين الشريفين، وحارس عباده المسلمين، وماحي الكفر عن الأرض وخليفة الشرع المبين، الفقير إلى عفو ربّه القدير عبد العزيز خان بن محمود غازي خان.
أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يوفقني إلى خدمة الشرع الحنيف والعمل به. أتوسّل إلى الله بروحانية رسالتك أنْ ييسّر عليّ الوفاء بحقوق الله وحقوق العباد، ويسدّد خطاي، ويعينني على حفظ الودائع المباركة، وأنْ يجعلني مؤهلاً لحمل أعباء الخلافة، وصرف أموال المسلمين في محلّها، وأنْ يصونني من الإسراف والتبذير، وأنْ يوفقني لِمَا يحبّ ويرضى، وأنْ أكون أنا وجميع البلدان الإسلامية آمنين من محن الدارين.
الأمان الأمان يا رسول الله، لا تردّني محروماً، ولا مطروداً. أتوسّل بك إلى الله لكي يدفع عن أمتك العدو الظاهر والخفي القريب والبعيد، وجميع الكفار الذي يعادون دين الله؛ ويجعل الجنود المحمدية منصورة مظفرة، ويوفق أهل الخير ويمدّهم بمدد نبوّتك.
ورجائي أنْ نكون أهلا لاستمطار رحمة الرحمن، وخاصة خادمك الذي يعرض حاله عليك.
وأسأل الله أنْ يلهمني النطق بكلمة التوحيد عند مفارقة دار الفناء وفي الأنفاس الأخيرة، وألا يكشف عيوبي بين الخلائق يوم العرض الأكبر راجيا الشفاعة العظمى. أقدّم هذه العريضة إلى مقامكم الرفيع، أنا العبد الضعيف.
الأمان يا رسول الله يا حبيب الله، الصلاة والسلام عليك يا أبا الزهراء، الصلاة والسلام عليك يا جدّ الحسن والحسين، الصلاة والسلام عليك يا سيّد الأولين والآخرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
اللهم تقبّل مني هذا بحرمة الفاتحة مع الصلوات بقدرتك يا قيوم يا متين.
أنا العبد الذليل الضعيف المحتاج إلى فيوضات الملك اللطيف الملتجئ إلى رأفة الرؤوف…المسمّى عبد العزيز بن الغازي محمود خان سلّمه الملك المنان…
ملاحظة: كتب السلطان على ظهر العريضة بخط الرقعة عبارة: “باسمه تعالى، عريضة إلى الروضة المطهّرة المباركة لحضرة فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم”. ثمّ كتب تحتها حرف “ع” إشارة إلى اسمه.
وتقول المصادر التاريخية إنّ السطان عبد العزيز كان يُكِنّ حباً عميقاً واحتراماً عظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عندما يأتيه خطابٌ من المدينة المنوّرة يقوم فيجدّد الوضوء، ثمّ يتناول الخطاب فيقبّله ويضعه على جبهته قائلا: “هذا الخطابُ يحمل غبارَ المدينة المنورة وأنفاسَها”، وفي إحدى المرّات بينما كان طريح الفراش بسبب مرض عضال وصلته عريضة أهالي المدينة المنوّرة، فقال لمَنْ حوله: “ارفعوني فوراً لأقف على قدميّ، إذ ليس من اللياقة ولا من الأدب أنْ أصغي إلى مطالب جيران رسول الله عليه الصلاة والسلام متمدداً، بل ينبغي الإصغاء إليها وقوفاً”.
مصدر العريضة: كتاب آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في جناح الأمانات المقدسة في متحف قصر طوب قابي بإسطنبول – حلمي أدين. دار النيل، صفحة (267 – 269).
الرد:
جزاك الله تعالى كلّ خير على هذه المشاركة الجميلة والجليلة التي تبيّن ما عليه السلف والخلف الصالح في هذه الأمّة رضي الله تعالى عنهم من توقير وأدب وتعظيم لحضرة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين، فكانوا لا يذكرونه إلا على طهارة كاملة، وإذا ذكروه انهمرت الدموع من عيني قلوبهم قبل آماقهم حبّا وشوقا وتعظيما له صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته، كيف لا وهو الذي أقسم الله تعالى بحياته فقال {لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر/72]، وأثنى على خلقه فقال {وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم/4]، ورفع ذكره في العالمين فقال {ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح/4]، وأمر بتوقيره وتبجيله وتعظيمه فقال {إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً} [الفتح/8 – 9].
وما أحوج المسلمين اليوم إلى أنْ تتذوّق قلوبهم حلاوة ذلك ليفوزوا بسعادة الدارين.