2013/07/24

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيدي وشيخي دمتم بحفظ الله ورعايته بما نفعتمونا ولي سؤال يحيرنا وهو: بلاد الشام هذه البلاد المباركة شيخي ما هي وأخص سوريا الجريحة ما هي الحكمة العظيمة والمغزى جرّاء ما يحدث فيها ولا يكاد يخفى على حضرتكم وهل هذا تمهيد للأحداث الكبرى لهذى الأمة العريقة، هل هذا خير لها أم شرّ؟ قال صلى الله عليه وسلم إذا فسدت الدنيا فعليكم بالشام أو كما قال. أفيدونا جزاكم الله كلّ الخير.

 

الاسم: محمد خليل الراوي

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتك الطيبة ومشاعرك النبيلة.

بداية أودّ أنْ أبيّن لجنابك الكريم أنّه وردت عن سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم مجموعة من الأحاديث الشريفة في فضل الشام فيها الصحيح والحسن والضعيف، منها قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (يُجنّد الناس أجنادا جند باليمن وجند بالشام وجند بالمشرق وجند بالمغرب، قال رجل: يا رسول الله إني فتى شاب فلعلي أدرك ذلك فأيّ ذلك تأمرني؟ قال: عليكم بالشام فإنها صفوة الله من بلاده يسوق إليها صفوته من عباده عليكم بالشام فإن الله تكفّل لي بالشام وأهله فمن أبى فليَلْحَقْ بيمنه) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى. وعن سيّدنا زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: (كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للشام، فقلنا: لأيٍّ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنّ ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وإنّ ما يحدث في سوريا الحبيبة وغيرها من البلدان العربية والإسلامية أنبأنا به نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إذ قال: (إنّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربّي لأمتي أنْ لا يهلكها بسَنة عامّة، وأنْ لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربي قال: يا محمّد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أنْ لا أهلكهم بسَنة عامّة، وأنْ لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها – أو قال من بين أقطارها – حتى يكون بعضُهم يُهلك بعضا ويَسبي بعضهم بعضا) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

والسبب في إهلاك بعضهم بعضا وسبي بعضهم لبعض هو عدم التزامهم بما أخبر به سيّد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين ومخالفتهم له، مع أنّ الله عزّ وجلّ بيّن لنا في كتابه الكريم خطورة مخالفة أمره صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إذ قال {…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور/63].

وقد حذّرنا سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من الفتن والخوض فيها قولا أو فعلا في أحاديث كثيرة وأرشدنا إلى ما ينبغي علينا فعله، فلم يهتمّ الكثير من المسلمين اليوم بذلك التحذير ولم يأخذ بذلك الإرشاد، من تلك الأحاديث الشريفة قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إنّها ستكون فتنٌ، ألا ثمّ تكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من الماشي فيها، والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمَنْ كان له إبلٌ فليَلْحَقْ بإبله، ومَنْ كانت له غنمٌ فليَلْحَقْ بغنمه، ومَنْ كانت له أرضٌ فليَلْحَقْ بأرضه، فقال رجلٌ يا رسول الله أرأيت مَنْ لم يكنْ له إبلٌ ولا غنمٌ ولا أرضٌ؟ قال: يَعْمَد إلى سيفه فيَدُقّ على حدِّه بحجر ثمّ ليَنْجُ إن استطاع النجاء، اللهمّ هل بلغت؟ اللهمّ هل بلغت؟ اللهمّ هل بلغت؟ فقال رجلٌ: يا رسول الله أرأيت إنْ أكرهْتُ حتى يُنْطلق بي إلى أحد الصفّين أو إحدى الفئتين فضربني رجلٌ بسيفه أو يجئ سهمٌ فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وفي هذا الحديث الشريف وغيره كثير وصيّة ممّن أطلعه الله تبارك وتعالى على كلّ فتنة ستحدث إلى قيام الساعة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين، ومفاد هذه الوصية يتلخّص بكلمتين: الابتعاد والعزلة، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام في الفتنة (كسِّرُوا فيها قِسِيَّكم وقطّعُوا فيها أوتاركم والزموا فيها أجوافَ بيوتكم وكونوا كابن آدم) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، ومعنى قوله (وكونوا كابن آدم) أي كونوا كسيّدنا هابيل عليه السلام لمّا أراد أخوه قابيل أنْ يقتله قال له {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة/28].

والأحاديث الشريفة في هذا الباب كثيرة لا يتسّع المقام لبسطها كلّها لكني أنصح جنابك الكريم وجميع المسلمين بقراءة باب الفتن في أي كتاب من كتب الحديث الشريف للتعرّف على ما أوصى به سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم والعمل به حتى وإنْ كان ما أوصى به عليه الصلاة والسلام يخالف هوى النفوس، قال تعالى {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور/51، 52]. وقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحابته الكرام (لا يؤمنُ أحدُكُم حتى يكونَ هواهُ تبعا لِمَا جِئْتُ بِهِ) الإمام ابن أبي عاصم رحمه الله تعالى في كتاب السنة.

فلو كان في هذه الفتن خيرٌ ومنفعة لمَا حذّرنا منها سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم،

وأيّ خير ومنفعة في سفك الدماء وهتك الأعراض وترويع الآمنين وتشريد الآلاف من العوائل وتعطيل المصالح وإغلاق المدارس وإنشاء الفرق المتناحرة والأحزاب المستغلة ونشر الجهل والفوضى وزرع كراهية الدين وأهله في نفوس الأجيال المتطلعة للأمن والأمان؟

وصدق الله تبارك وتعالى إذ قال {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال/25]. ولمعرفة المزيد من الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1504) في هذا الموقع المبارك.

والله عزّ وجلّ أعلم.