2013/07/29

السؤال:

السلام عليكم فضيلة الشيخ حفظك الله وأطال عمرك وجزاك خيرآ ووفقك لكلّ ما فيه الخير والصلاح للإسلام والمسلمين، سؤالي عن صلاة التراويح إلى أي وقت من الليل يمكن أداؤها؟ وهل يقتصر أداؤها في الجامع وفي جماعة أم يمكن أداؤها فردآ في البيت؟ ولكم جزيل الشكر.

 

الاسم: ام زين العابدين

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتك الكريمة، أسأله سبحانه وتعالى أنْ يوفقك ويكرمك بما هو أهله جلّ جلاله وعمّ نواله.

إنّ صلاة التراويح هي النافلة المعروفة في رمضان بعد صلاة العشاء، وكان النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم هو أوّل من سَنً الجماعة فيها في المسجد، ثمّ تركها خشية أنْ تُفرض على أمته، ففي الصحيحين عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم، فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم والأمر على ذلك). وفي رواية أخرى عَنْ سيدنا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وفي صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما). وعن عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله تعالى أنه قال (خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثمّ خرجتُ معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله). الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وتعددت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في عدد ركعات التروايح ويكاد الاجماع أنّ ينعقد على أنها عشرون ركعة، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (وهو شافعيّ المذهب) في المجموع (فصلاة التراويح سُنة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات وتجوز منفردا وجماعة، وأيّهما أفضل؟ فيه وجهان مشهوران كما ذكر المصنف، وحكاهما جماعة قولين – الصحيح – باتفاق الأصحاب أنّ الجماعة أفضل)، وبهذا قال السادة الأحناف والمالكية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

ومن المعلوم أنّ صلاة الفرض أداؤها جماعة في المسجد أفضل إلا بوجود العذر لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ سمع المنادي فلم يمنعه مِن إتباعه عذرٌ لم تُقبل منه تلك الصلاة التي صلاها، قالوا: ما عذره؟ قال: خوف أو مرض) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.

أمّا صلاة السُنة ومنها التراويح، فالمطلوب هو أداؤها في أي مكان كان، فالأمر فيه مُتسع، والأصل أنّ أداء السُنن في البيت أفضل للحديث الشريف الذي تشرّفنا بذكره آنفا، ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وصلاة الرجل التراويح في البيت أفضل إذا كانت بنيّة حثّ أهل بيته عليها، ورغبة في عدم تركهم لها، لِمَا في ذلك من إعانتهم على إحياء السُنة، وتحصيل الخير، خصوصا إذا كان المسجد القريب منه تُقام فيه صلاة التراويح ولا تتعطل بغيابه، فإنْ توقفت صلاة التراويح عليه فالأفضل أنْ يُصليها في المسجد؛ قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وعنكم في كتابه الأم (وسألت مالكا عن قيام الرجل في رمضان أمَعَ الناس أحبّ إليك أم في بيته؟ فقال: إنْ كان يقوى في بيته فهو أحب إليّ، وليس كلّ الناس يقوى على ذلك).

وإنما سُمّيت التراويح بهذا الاسم لأنّ الناس كانوا يطيلونها جداً، فكلّما صلّوا أربع ركعات استراحوا قليلاً.

وقد رغّب النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في قيام رمضان بقوله: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

فينبغي للمسلم الاعتناء بصلاة التراويح، والحرص الشديد على أدائها فهي لا تكون في العام إلا مرّة واحدة، فإنْ كان بمقدوره حضور الجماعة فهو خير، وينبغي أنْ يحثّ أهل بيته عليها، وإنْ تعذّر عليه الحضور فلا بأس عليه، وله أنْ يُصلي بأهله في البيت وهي مناسبة طيّبة لتقوية روابط الأسرة وجمعها على الخير.

والله تعالى أعلم.