2013/07/30

السؤال:

السلام عليكم سيّدي وشيخي العزيز سعد الله، لي من فضلكم سؤال: سيّدي بين الأذان والإقامة وبعد الصلاة ما هي الآداب التي يُنصح بها المصلون؟ حيث أنّ بعضا منهم يكثر من الكلام بأصوات عالية قبل الإقامة وبعد الصلاة، ومنهم يا سيّدي مَنْ يجهل هذه الآداب، وما هي ضوابط الكلام في هذه الأوقات؟ وما هو واجبي تجاههم؟ لأنهم جعلوني إمامهم في مصلى بدار عمل، وإنْ تكرّر هذا الأمر كيف أدعوهم؟ وإنْ لم يتعظوا ماذا عليّ أنْ أفعل؟ وجزاكم الله كلّ الخير وأدامكم الله ذخرا لنا.

 

الاسم: محمد خليل الراوي

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعائك الطيّب وأدعو لك بمثله.

قال العلي الأعلى تقدّست اسماؤه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة/ 186]. وقال سيّد العابدين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (الدُّعاءُ هو العبادة، قال ربّكم {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

بارك الله تعالى لكم في حرصكم على أداء الصلاة في أماكن عملكم فهذا علامة على التقوى في قلوبكم وقد قال الرحمن جلّ جلاله {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج/32]. ووفقكم الله تعالى  للمزيد من التأدب بالأدب النبويّ حيث خصّصتم مكانا للعبادة في مكان عملكم، قالت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ تتخذ المساجد في الدور وأنْ تطهَّر وتطيَّب) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى، ووالله إنّ القلب ليفرح بوجود تلك الواحة التي تذكرون الله تبارك اسمه فيها حيث تكثرُ الغفلة، وهنيئا لكم عطاء الله جلّ وعلا على لسان حبيبكم سيّدنا ومولانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إذ قال (ذاكرُ الله تعالى في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارّين) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى. والأوْلى بالمسلم أنْ يستغلّ هذه الدقائق المعدودة التي يقتطعها مِنْ صخب الحياة المادية ليقف بين يدي ربّه جلّ وعلا مفتقرا إليه مستجديا لعطائه بقراءة القرآن أو ذكر الله سبحانه أو الاجتهاد في الدعاء، حيث أنّه في بعض الأزمنة والأمكنة والأحوال أرجى إجابة، ومِنْها:

1-   الدعاء بين الأذان والإقامة قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، قَالُوا: فَمَاذَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وكثير مِن الناس يفرّط بهذا الوقت الفاضل وقت انتظار الصلاة (بين الأذان والإقامة)، فتجدهم يقلبون أعينهم في المصلّين، وبعضهم ينشغل بالهاتف النقّال فيبعثُ رسالة أو يردّ على اتصال، أو يرسل بصره وعقله في تأمّل نقوش المسجد، وغيرها.

2-   ما بعد صلاة الفريضة فعن سيّدنا أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال (قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسمَعُ؟ قَالَ: جَوفُ الّليلِ الآخِرِ، وَدُبُرُ الصَّلَواتِ المَكتُوبَاتِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ولهذا كان عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام يغتنم هذه الأوقات ويوصي أصحابه رضي الله تعالى عنهم باغتنامها بالدعاء والذكر، فعن سيّدنا ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف مِنْ صلاته استغفر ثلاثا، وقال: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ولعلّ مِنْ الحكم التي مِنْ أجلها شُرِّع الذكر بعد الصلوات جبر ما وقع فيها مِنْ التقصير، وعدم الخشوع، فكان أوّل الأذكار بعدها مباشرة الاستغفار جاء في شرح سنن الإمام النسائي للإمام السندي رحمهما الله تعالى (“أَسْتَغْفِرُ” تَحْقِيرًا لِعَمَلِهِ وَتَعْظِيمًا لِجَنَابِ رَبّه وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حَال الْعَابِد فَيَنْبَغِي أَنْ يُلَاحِظ عَظَمَة جَلَال رَبّه وَحَقَارَة نَفْسه وَعَمَله لَدَيْهِ فَيَزْدَاد تَضَرُّعًا وَاسْتِغْفَارًا كُلَّمَا يَزْدَاد عَمَلًا وَقَدْ مَدَحَ اللَّه عِبَاده فَقَالَ كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏) ولهذا كان الاستغفار مطلوبًا حتى بعد أداء العبادات والفرائض، ومِنْ ذلك الاستغفار بعد الحج كما قال الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة /199].

أمّا واجبك تجاههم فهو إرشادهم وتعليمهم الأدب النبويّ في هذه المواطن بالحكمة واللين قال الحق جلّت صفاته {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل/ 125]، خصوصا أنّ الله تبارك اسمه قد شرّفك بمنصب إمامتهم في الصلاة فمن الممكن أنْ توجههم بعد أداء أذكار الصلاة بدقائق بسيطة تبيّن لهم السنن النبوية التي تتعلق بالموضوع وحبذا لو كانت هذه الوقفات بشكل دوري مستمر فتنال بذلك أجر نشر العلم، فإنْ استجابوا لذلك وهو المرجو منهم إنْ شاء الله عزّ وجلّ لِمَا فيهم من الخير والحرص على أداء الفريضة – خصوصا أنك ذكرت أنهم على عدم علم بهذه الآداب – فذلك من فضل الله جلّ اسمه وإلا فأوصيك بدوام الدعاء لهم مع استمرارك بنقل هذه السنن واقعا يرونه، كما وأنصح إنْ كان بالإمكان عمل لوحة جدارية تُثبّت فيها هذه الآداب الشرعية الشريفة على أنْ تُحدَّث بين فترة وأخرى وتعلّق في غير جهة القبلة حتى لا تشغل المصلين، وأسال الله تبارك وتعالى أنْ يوفقكم لمزيد من الخير والحرص على اتباع الشرع الشريف.

وصلى الله تعالى على صاحب الخلق العظيم سيّدنا محمد الرؤوف الرحيم وعلى آله وصحبه المتشبثين بهديه القويم، ومَنْ سار على دربهم إلى أنْ يدخل المؤمنون دار النعيم.

والله عزّ وجلّ أعلم.