2013/07/31

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله سيّدي ونفعنا الله بكم وبعلومكم وجعلكم الله ذخر للأمّة الاسلامية سيّدي من المعلوم أنّ العبرة من الصيام هي الوصول إلى درجة التقوى فكيف نصل إلى درجة التقوى؟ وما هي الأعمال التي نفعلها لأجل أنْ نصل إلى هذه المرتبة؟ ولي طلب منكم سيّدي أرجو تنزيل جميع خطبكم على هذا الموقع المبارك، وأعتذر عن الإطالة ولكم جزيل الشكر والاحترام.

 

الاسم: يوسف

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعواتك الصادقة ومشاعرك النبيلة وأسأله تعالى أنْ يكرمك بما هو أهله.

لقد حثّ الشرع الشريف على تقوى الله تعالى صيانة للنّفس عمّا يُرديها قال جلّ وعلا {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة/281]، وقال عزّ وجلّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران عليهم السلام/102]، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر/18]، وقَالَ سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، والتقوى كما عرّفتها في رسالتي (آيات التقوى في القرآن الكريم دراسة وتحليل): مَلكة قلبية ينبع عنها سلوك، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا. وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. فالتقوى ملكة وهي دليل على صلاح القلب وسلامته ولها آثار عظيمة في سائر الجسد وهذا واضح في حديث عظيم الموقع لسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم حيث يقول (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فهذه الملكة الحاصلة في القلب هي حقيقة التقوى.

والوصول إلى مرتبة التقوى لنْ يتحقّق إلا إذا أخذ الإنسان بأسبابها ومضى في الطرق الموصلة إليها وحسبما أرشدت إليه الشريعة الغرّاء، وذلك من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.

فمِنْ طرق الوصول إلى مرتبة التقوى:-

أوّلا: التعامل مع القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يقينا طريق إلى التقوى لأنّه إذا وجد أصل الإيمان وكان في القلب نوع مرض فإنَّ كتاب الله تعالى شفاءه، وإذا تعافى القلب وسَلِمَ تحققت التقوى فيه، قال سبحانه وتعالى {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه عليه الصلاة والسلام/113]، وقال جلّ جلاله وعمّ نواله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس عليه السلام/57]، وقال عزّ وجلّ {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة/187]، وينبغي أنْ يكون هذا التعامل، تلاوةً وحفظاً وتفاعلا وتطبيقا إذْ أنَّ تلاوة القرآن الكريم وحفظ الآيات والسور منه فقط لا يكفي إلاّ بالتفاعل وتطبيقٍ لِما فيه من أوامر ونواهي وأحكام حتى يصل الإنسان إلى التقوى، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ قرأ القرآن واستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدْخَله الله به الجنّة وشفّعه في عشرة مِنْ أهل بيته كلّهم وجبت له النار) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، فلا يكون الإنسان تقيّاً ما لم يلتزم في أمور حياته كلّها بكتاب الله تعالى سواء في ذلك عمله السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الأخلاقي.

ثانيا: العبادات، قال تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة/177]، وقال جلّ وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة/183]، وقال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات/3]، ويقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته (تبسّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

و(العبادة) هي غاية الخضوع والانقياد لله ربّ العالمين بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذا الامتثال ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود، وتشمل الفرائض والأركان وما زاد على الفرائض مِنْ ألوان التعبّد التطوعي مِنْ صلاة وصدقة وصيام وحجّ وتلاوة وتسبيح وتحميد وإنابة إلى الله تعالى وإخلاص الدين له والآداب المتّبعة في مجالات الحياة كلّها من معاملات وعقود ومناكحات وأخلاق، فالدين كله داخل في العبادة، لأنَّ هذه الكلمة تتضمّن معنى الخضوع والانقياد والتذلل، وينبغي أنْ تكون هذه العبادات خالصة لله تعالى وموافقة لسنّة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فالحلال ما حلّله والحرام ما حرّمه والدين ما شرّعه، فإذا تحقّق هذان الشرطان في عبادة المسلم فإنّها تكون طريقا إلى التقوى بإذن الله تعالى.

ثالثا: الهداية، قال تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام/17]، وهذه نعمة من الله تعالى يهبها لمَنْ قَبِلَ إرشاد الأنبياء وتوجّه إلى منهج الإسلام وعزم على طاعة مولاه بنيّة صادقة مخلصة فجاهد نفسه لالتزام هذا المنهج، فإنّ الله تعالى يزيده هدىً أي يوفّقه في مجاهدته ويؤتيه تقواه فيكون من المتقين قال عزّ وجلّ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت/69]، ولمزيد ممّا في هذا الخصوص أرجو مراجعة رسالتي المشار إليها في هذا الجواب.

وأما طلبك بخصوص رفع الخطب على هذا الموقع المبارك فإن القائمين على خدمته يبذلون جهودهم فيه ويرجون دعائكم بالتيسير.

والله تبارك وتعالى أعلم.