2013/07/31
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حفظك الله يا شيخنا الفاضل ووفقك لخدمة العباد.
يا شيخي أريد أنْ أسأل عن آداب صلاة الجمعة هل يجوز أنْ نجلس في خطبة الجمعة وظهرنا على الحائط أي لا نستقبل القبلة؟ إني أرى بعض المصلين الذين يجلسون على جانب المجسد أي أطراف المسجد أثناء الخطبة يجلسون ويستقبلون وجه الإمام ولا يستقبلون القبلة، أرجو توضيح هذه المسألة مع الشكر الجزيل.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.
قال الحق جلّ في علاه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الجمعة/9]، وقَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَسَّلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
تعددت اراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم استقبال الناس للخطيب أثناء الخطبة على أقوال:-
الأوّل: يُسنّ للناس استقباله وهو قول الجمهور.
الثاني: يجب استقباله.
الثالث: يستقبلون القبلة في حال حصول الحرج من استقبال الخطيب مواجهة.
والراجح قول الجمهور لورود الآثار بذلك، فعن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا) الإمام الترمذي رحمه الله وتعالى، وقال: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب)، وعن سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله…) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وقد أورد الإمام البخاري الحديث في (باب يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب، واستقبل ابن عمر وأنس رضي الله عنهم الإمام).
وعن سيّدنا يحيى بن سعيد الأنصارى رحمه الله عزّ وجلّ قال: (السُنّة إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة يُقبل عليه القوم بوجوههم جميعا) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ وعلا (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاع)، وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى (وكان إذا جلس عليه [يعني : على المنبر] النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غير الجمعة، أو خطب قائماً في الجمعة، استدار أصحابُه إليه بوجوههم، وكان وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبلَهم في وقت الخطبة) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: (ومن حكمة استقبالهم للإمام التهيؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهّم موعظته، وموافقته فيما شُرّع له القيام لأجله) كما أنّ في ذلك تعظيما للذكر واْنشَطَ للخطيبُ والواعظُ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الْكَلامِ إِذَا وَجَدَ لَهُ مُصْغِياً وَمُسْتَفِيدا، لكن إذا كان في استقباله حرج ومشقة لزحام أو غيره كما هو الحال الآن في المساجد فلا حرج في تركه، قال الإمام السرخسي جزاه الله خير الجزاء (وينبغي للرجل أنْ يستقبل الخطيب بوجهه إذا أخذ في الخطبة . . . ولكن الرسم [الهيئة التي عليها الناس] الآن أنّ القوم يستقبلون القبلة، ولم يؤمروا بترك هذا لما يلحقهم من الحرج في تسوية الصفوف بعد فراغه، لكثرة الزحام إذا استقبلوه بوجوههم في حالة الخطبة).
ومِنْ هنا يتبيّن أنّ بعض المصلّين يجانبون الصواب عندما يعتمدون على جدار أو عمود للمسجد، مستدبرين القبلة ووجه خطيب الجمعة، فهذا مخالف للسنة والأدب، فإنّ الشرع الشريف سنّ للخطيب أنْ يستدبر القبلة، ليواجه المصلّين ويؤثر فيهم، ويأمرهم وينهاهم فلا يليق بالمأموم أنْ يعرض عنه فلا ينبغي فعله إلا لحاجة مِنْ ضعف أو كبر سنّ أو مرض ونحو ذلك، لأنّ المشقة تقتضي التيسير، ورضي الله تعالى عن علمائنا الذين فقهوا مقاصد الشرع الحنيف وصلى الله على خير مَنْ رقى المنبر وعلَّم ووعظ وذكَّر سيّدنا محمّد الذي كان وجهه كالقمر وعلى آله وصحبه الميامين الغرر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.