2013/08/05

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

شيخي العزيز سؤالي هو: هل يجوز سماع القران الكريم في غرفة النوم أي ونحن مستلقون على الفراش وننام على صوت القرآن؟ وشكرا

 

الاسم: محمد رشيد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

الأصل في الاستماع إلى القرآن الكريم هو الإنصات للتلاوة والتدبّر لمعاني الآيات؛ لقوله تبارك تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف/204]، ولا مانع من سماعه على كلّ حال لِمَا روت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فهذا الحديث الشريف يدلّ على الإباحة وقد علّمنا عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بعد بيان هذا الحكم ما أخبره ربّه جلّ جلاله وعمّ نواله بأنّ الأفضل للمرء أنْ يُعظّم حرمات الله تعالى، قال عزّ من قائل {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ…} [الحج/30].

والقرآن الكريم كلام الله جلّ وعلا ورسالته لخلقه فيجب التأدّب معه في التلاوة والاستماع، وتحرّي كلّ ما فيه تعظيم له من حيث الهيئة والحال، ولقد رأينا من أهلنا قديما أنهم كانوا يقومون وقوفا تعظيما وتبجيلا بمجرد مرور أحدهم وهو يحمل مصحفا بيده.

ولقد رغّب النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في الاستماع للقرآن الكريم بقوله (مَنْ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واستماع القرآن كان سببا لدخول طائفة من الجنّ في الإسلام، قال تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن/1 ، 2].

إنّ الذي شرّعه النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم عند النوم هو قراءة بعض الأذكار التي تسمّى أذكار النوم كقراءة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وسورة الإخلاص والمعوذتين، وذكره جلّ جلاله وعمّ نواله بالتسبيح والحمد والتكبير ثلاثا وثلاثين، وغيرها من الأذكار التي يمكن مراجعتها في مظانّها، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر كتابا جليلا نافعا مباركا وهو كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى، الذي قال عنه العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم (بِع الدار واشترِ الأذكار).

أمّا فتح الأجهزة على تلاوة القرآن الكريم فلا مانع منه، لأنّ الاستماع للقرآن الكريم مشروع كما مبيّن في جواب السؤال المرقم (1575)، لكن ينبغي إغلاقها حال الاستسلام للنوم إمّا بنفسك أو بمَنْ توصيهم من أهل بيتك أو مِمّنْ هم معك، لأنّ استمرارها لا أراه موافقا ولا منسجما مع روح التشريع ولا مع السنن الإلهية في هذا الكون للأسباب التالية:

1-   لقد جعل الله تبارك وتعالى الليل سكنا ولباسا، والنوم سباتا فقال سبحانه {…وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا…} [الأنعام/96]، وقال عزّ وجلّ {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان/47]، وهذا السكن والسبات لا يتحقّق مع جعل الأجهزة مفتوحة.

2-   إنّ الاستماع إلى قراءة القرآن الكريم عبادة تحتاج إلى يقظة، فلا تتحقق عند النوم  لتعذّر الجمع بينه وبين اليقظة في وقت واحد.

3-   إنّ الأجهزة السمعية عند الإنسان تحتاج إلى النوم أيضا، يُفهم هذا من قوله جلّ وعلا في قصة أصحاب الكهف رضي الله تعالى عنهم وعنكم {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف/11]، وبقاء الأجهزة مفتوحة تُفوِّتُ هذه الحاجة.

4-   لقد ثبت علميا أنّ في الاستماع عند النوم مضارا صحيّة كبيرة قد تؤدي إلى الوفاة، وقد حدّثني مَنْ أثق به أنّ فتاة في ريعان شبابها توفيت فجأة أثناء نومها، ولمّا أرادوا معرفة السبب توصّلوا إلى أنّها كانت تستمع من خلال (الهيتفون) فأدّى ذلك إلى حدوث انفجار في دماغها، أسأل الله تعالى الرحمة لها ولجميع موتى المسلمين والسلامة والعافية للأحياء والميتين في الدنيا ويوم الدين.

وبناء على هذا أرى الاقتصار عند النوم على ما وردنا عن نبيّنا صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من أذكار ففيها الخير والبركة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.