2013/8/6

مشاركة من فضيلة الشيخ عبد الرزاق علي جزاه الله خيراً.

:: العفو الأكبر في الفتح الأكبر ::

كانت العرب تنتظر نتيجة الصراع بين المصطفى “صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم” وبين المشركين أهل الوثنية.

دخل الرسول الكريم مكّة ظافرًا متنصرًا.. ودانت له الرقاب.. لكنّه دخلها متذللاً لله ربّ العالمين، فليس في النصر إغراء يحوّله عن طريقته الفضلى..!! ولا ما يستدعي أنْ يقترف شيئًا من جرائم الجبّارين، زعماء الغرور والطغيان، مَنْ سفك دماء العُزّل مِن السلاح، وهتك أعراضَ الحرائر، وسلبَ الأموال، وخرّب الديار، وانتهك حرمات الله، وأهان الشرفاء والفضلاء، وأذلّ الناس وكبت حرياتهم، وملأ السجون بجموع النبغاء والكرماء والفضليات الشريفات!!.

إنّ للجبابرة الطغاة شاكلة شهيرة ملأت التاريخ الغابر والمعاصر نكبات ومآس وفواجع.. ولقد أماطت الأحداث اللثام عن طغاة استلبوا زعامات في الماضي والحاضر فعاثوا في أقوامهم فسادا..!! وعن طغاة بغوا في الأرض، ظلمًا وعدوانًا، تجبّرا وغرورا، فاقترفوا من فظائع الجرائم ما تذهل له العقول..!! ولا تغيب عن بالك مجازر اليهود وأذنابهم في فلسطين ولبنان، ولا مجازر الهندوس والوثنيين في مسلمي الهند، ومثل ذلك في أفريقيا، وغير ذلك كثير في عصرنا.

طغيان وسفك دماء.. وانتهاك أعراض.. وسلب أموال.. وتخريب ديار.. ذاكم صنيع الجبارين، كما أخبر الله عزّ وجلّ عنهم، قال تعالى: { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل/34].

أمّا حبيبنا محمّد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فله شكلٌ آخر وطريقة مثلى، رسمها الحقّ تبارك وتعالى، وها أنت تشهدها في دخوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام مكّة في أعظم نصر، وقد طأطأ رأسه.. خاشعًا مخبتًا متذللاً لله تعالى واهب النصر{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال/10].

إنّ ذلك التواضع الجمّ والأدب الكامل والتذلل والاستكانة بين يدي الحقّ جبّار السموات والأرض ترسم لنا طريقة التعامل مع عباد الله، كلٌ حسب حالة {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة/54].

لقد آذت قريش سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وأصحابه الكرام أذىً مريرًا، فصبَر عليهم ثلاث عشرة سنة بعد البعثة ثمّ هاجر مضطرًا من مكة إلى المدينة.

واستمرت المصاولة بينه وبينهم بعد الهجرة ثماني سنين حتى أظفره الله جلّ وعلا عليهم إذْ داهمهم الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في عقر دارهم، وسبق إليه أبو سفيان، الذي جلب الأحزاب لحربه وتسبّب وزوجته بواسطة وحشيّ في قتل عمّه سيّدنا الحمزة رضي الله تعالى عنه والتمثيل به، فلاطفه الرسول صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته ودعاه للإسلام.. فقال: ويحك يا أبا سفيان.. ألَمْ يَأنِ لك أنْ تعلم وتشهد أنْ لا إله إلا الله!؟ فقال: بأبي أنت وأمّي ما أحلمك وأوصلك وأكرمك!! ثمّ جعل الرسول عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين له مكرمة خاصة لدى دخول المسلمين مكّة، فجعل الأمان لمَنْ دخل داره فقال: (مَنْ دخل دار أبى سفيان فهو آمن).

واجتمع الذين حاربوا الله ورسوله يستمعون إلى الحكم فيهم، وهم يظنون أنّ الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لن يتوانى عن استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم، فقال: (ما تقولون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخٌ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [سورة يوسف: 92].

ويتضّح من ذلك كلّه تفوّق سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم على الناس أجمعين بسعة الصدر، ولين العريكة، وكرم العشرة، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، بل هو عليه الصلاة والسلام يفوقهم في جميع محاسن الأخلاق.. حتى رحُب صدرُهُ لأجلاف الجاهلية، وهم مِنْ أغلظ البشر طبعًا وأقساهم معاملة، وإنّ عظيم عفوه هذا يكشف عن تأهيل الله تبارك وتعالى سيّدنا محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لمقام الرسالة العظمى، وهو من أعلام نبوته الساطعة الباهرة صلى الله عليه سلم.

الرد:

جزاك الله تعالى خيرا على هذه المشاركة الطيّبة، وأسأله سبحانه بمناسبة ذكرى يوم الفتح أنْ يفتح مسامع قلوبنا لأنوار ذكره، ويجعلنا ممّن ينشغل بمراقبة ظاهره وسرّه، إنه جلّ وعلا سميع مجيب.