2013/08/09
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله شيخنا العزيز، ضعفٌ في العبادة! ذنوبٌ، ابتعادٌ عن الطريق، فما هو الطريق الأسرع للرجوع إلى الصواب؟
جزاكم الله خير الجزاء.
الاسم: قاسم المعماري
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاك الله عزّ وجلّ خيرا وبارك فيك.
قال التوّاب جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31].
وقال الغفور الغفّار تبارك اسمه:-
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 17].
وقال الرحيم الرحمن تقدّست أسماؤه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً} [سورة التحريم: 8].
وقال سيّد الخلق وحبيب الحقّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ مَائَةَ مَرَّة) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
إنّ الحالة التي تمرّ بها هي حالة صحية لأنّها تدلّ على يقظة في القلب وإحساسٍ في الروح بهذا الفتور الإيماني الذي تعاني منه وتشوّقٍ إلى أَنوار الإيمان التي كانت تملأها، قال الحفيظ العلام:-
{إنّ الّذِيْنَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [سورة الأعراف: 201].
وقد أوصانا معلّمنا وقدوتنا وسيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه -بما يشبه أعمال الصيانة للآلة- بدوام صيانة آلة القلب إذ قال:-
(إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ وجلّ.
والمؤمنُ توّابٌ كثيرُ التوبةِ والإنابةِ يعودُ مباشرة إلى ساحة الإيمان بباب مولاه.
قال سيّد المؤمنين مولانا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ -عروة تشدّ إليها الدابة- يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ; فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الأَتْقِيَاءَ وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّس اسمه.
وعن سيّدنا مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رضي الله تعالى عنه أنّه قال:-
(رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ لِنَفْسِهِ: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟! أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟! ثُمَّ ذَمَّهَا، ثُمَّ خَطَمَهَا، ثُمَّ أَلْزَمَهَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ لَهَا قَائِدًا)
والذنوب داء، والبُعد عن الله سبحانه مرض، وقد دلّنا نور الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة على الداء والدواء وحدّد العلة ووصف العلاج وبيّن الشفاء، فقد قال الله عزّ وجلّ:-
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُالذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 135].
وقال طبيب الأرواح وقائدها إلى بلاد الأفراح بطاعة الملك الفتاح سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفلاح:-
(ألَا أُخْبِرُكُمْ بِدَائِكُمْ وَدَوَائِكُمْ؟ أَلَا إِنَّ دَاءَكُم الذُّنُوْبُ، وَدَوَاءَكُم الاسْتِغْفَارُ) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
وكثرة الاستغفار مطلوبة وسنّة نبوية فذاك هديُهُ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام الذي قال عنه سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:-
(إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم يستغفرون الله جلّ جلاله كثيراً، ويقصدون الأوقات الفاضلة مثل ثلث الليل الآخر، ونحن في شهر رمضان المبارك فاستغل هذه الأيام الفضيلة والليالي المباركة في السير إلى ربّك جلّ ثناؤه فهذه أيام العتق مِنَ النيران.
أَلَا يَا نَفْسُ وَيْحَكِ سَاعِدِيْنِي *** بِسَعْي مِنْكِ فِي ظُـلَـمِ اللّيَالِــي
لَعَلَّكِ فِي القِيَامَةِ أَنْ تَفُوْزِي *** بِطِيْبِ العَيْشِ فِي تِلْكَ العَلَالِي
وطريق رجوعك إلى الله تعالى سهل وميسّر بفضله عزّ شأنه، فإِنْ هي إلّا لحظات تطرح فيها نفسك بباب الملك الكريم جلّ في علاه فترى إنعامه وعطاءَه وبركته وهداه، فباب التوبة مفتوح لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها أو إذا بلغت الروح الحلقوم، والله تعالى يدعوك ليلا ونهارا إلى بابه:-
(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.
بل ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه، فسارع إلى الدخول في رحمة الله جلّ في علاه، واحذر من تسويف التوبة، فإنّ الإنسان لا يدري متى يباغته أَجله وأَبشر يا أخي، فإنّ الله سبحانه إذا علم منك الصدق يتوب عليك، بل ويبدّل سيئاتك حسنات، قال ربنا تعالى شأنه:-
{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة الفرقان: 70].
وابتعد عن أصدقاء الغفلة واجتهد في تغيير بيئة المعصية، لأنَّ كلّ ما فيها يذكّر بالمعاصي، واجتهد في البحث عن رفاق يذكرونك بالله عزّ وجلّ ويعينوك على الطاعات، وأكثر مِنَ الحسنات فقد قال الكريم المنّان جلّ ثناؤه:-
{إنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 114].
وقال إمام المتقين صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين:-
(اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.
وأولاً وآخراً: عليك بالاستعانة بالله جلّ في علاه، ومداومة التفكّر في خلقه، والإكثار من الدعاء في أوقات الاستجابة، بأنْ يهدي نفسك، ويجعلها مِنَ النفوس الفائزة برضوانه سبحانه، وقل:-
عَصَيْتُكَ جَاهِلًا يَا ذَا المَعَالِي *** فَفَرِّجْ مَا تَرَى مِنْ سُوْءِ حَالِي
إِلَى مَنْ يَهْرُبُ المُخْلُــوْقُ إِلَّا *** إِلَى مَوْلَاهُ يَا مَـوْلَى المَـوَالِـي
أسأل الله الكريم أنْ يرزقنا وإيّاكم حسن التوبة والإنابة.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (210، 1437) في هذا الموقع الكريم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على مَنْ به سلكنا طريق الخيرات، ودلّنا على سبيل النجاة، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل اليمن والبركات.