2013/08/19
السؤال:
مَنْ هم آل البيت؟ هل هم ذرية سيّدنا عليّ بن أبي طالب فقط، أم أنّ معهم آخرين؟
الاسم: حسن غازي السعدي
الرد:-
قبل الجواب على السؤال أودّ أنْ أذكرك بضرورة الترضّي على آل البيت الأطهار أو الصحابة الكرام عند ذكرهم، كيف لا وقد قال الحق سبحانه فيهم:-
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100].
أمّا الجواب عن سؤالك فقد قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [سورة الشورى: 23].
وقال إمام أهل البيت صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه:-
(كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي) الإمام الْحَاكِمُ رحمه الله عزّ وجلّ.
وقال دُرةُ الوجود مولانا مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ. فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
قال ابن منظور رحمه الله جلّ في علاه:-
(وأَهْلُ الْبَيْتِ: سُكَّانه. وأَهْل الرَّجُلِ: أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ. وأَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَزواجُه وبَناته وصِهْرُه، أَعني عَلِيًّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: نِسَاءِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَالرِّجَالُ الَّذِينَ هُمْ آلُهُ) لسان العرب (11/29).
وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله سبحانه:-
(أَهْلُ الرَّجُلِ مَنْ يَجْمَعُهُ وَإِيَّاهُمْ نَسَبٌ أَوْ دِيْنٌ أَوْ مَا يَجْرِي مَجَرَاهُمَا مِنْ صِنَاعَةٍ وَبَيْتٍ وَوَلَدٍ. وَقِيْلَ: إِنَّ أَصْلَ كَلِمَة آل: أَهْل، ثُمَّ قُلِبَتِ الهَاءُ إِلَى هَمْزَةٍ فَصَارَتْ أأل ثُمَّ خُفِّفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى آل) المفردات في غريب القرآن (ص: 96).
وقد تعددت آراء علمائنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم في المراد بأهل البيت على أقوال:-
1- آل النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، هم ذريته وأزواجه خاصة.
2- هم الذين حَرُمَت عليهم الصدقة، وهم عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله عزّ وجلّ بنو هاشم خاصّة، وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بنو هاشم وبنو المطلب.
3- هم الأتقياء مِنْ أمّته.
4- أتباعه إلى يوم القيامة.
والراجح والله تعالى أعلم:-
أنَّ آله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في باب الزكاة هم الذين حَرُمَت عليهم الصدقة، أمَّا في غير ذلك فالمراد بهم زوجاته وذريته رضي الله سبحانه عنهم أجمعين وذلك للأدلة الآتية:-
1- أمَّا زوجاته فلقوله جلّ وعلا:-
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [سورة الأحزاب: 30-33].
فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتماً؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله جلّ اسمه:-
(ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) تفسير القرآن العظيم (6/415).
وانظر إلى ما جاء في الصحيحين عن سيّدنا أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).
فهذا الحديث يفسّر حديث الصلوات الإبراهيمية وفيه:-
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وعلى آلِ مُحَمَّدٍ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
2- أمَّا ذريته فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت:-
(خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
ولا تنافي بين الآية المباركة والحديث الشريف، لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ سادتنا عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تبارك اسمه عنهم في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث، وتخصيصُ حضرة النَّبِيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لهؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه أو ليدل على أنَّهم ممن تشملهم الآية لعدم قصرها على زوجاته رضي الله تعالى عنهنَّ، فإنَّ النصوص القرآنية غالباً ما تطلق لفظ الأهل على الزوجة كما في قول الحق جلّ جلاله:-
{قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 73].
والخطاب مع سيّدتنا سارة عليها السلام.
3- أمَّا مَنْ تحرُم عليهم الصدقة فالراجح أنَّهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
جاء ذلك عن سيّدنا زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال:-
(قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَأُجِيبُ؛ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ – فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ – قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.
وفيما جاء عن سيّدنا جبير بن مطعم رضي الله جلّ وعلا عنه أنَّه قال:-
(مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
4- أمَّا بالنسبة للقول الثالث والرابع فلا ريب أنَّه قد يُطلق على الأتباع لفظ الآل في بعض المواضع ولكنْ بقرينة ومن ذلك قوله عزّ شأنه:
{إِلَّا آلَ لُوْطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [سورة القمر: 34].
فالمراد به أتباعه المؤمنون به مِنْ أقاربه وغيرهم، لكنْ هذا المعنى مصروف عما نحن فيه لقرائن، فمثلاً قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه.
والصدقة لا تحرم على عموم المسلمين، كما أنَّ خمس الغنائم في الحرب لذوي قربى النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وليس لجميع أتباعه، فالنصوص وردت مبينة المراد مِنْ آله الكرام عليهم الرضوان كما تقدم وذلك لما يترتب على تحديد ذلك مِنْ حقوق وواجبات ينفرد بها أهل البيت على مَنْ سواهم:-
يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُوْلِ اللهِ حُبُكُم *** فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُم مِنْ عَظِيْمِ الشَّأْنِ أَنَّكُم *** مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ
ولمزيدٍ مِنَ التفصيل يُراجع كتاب جلاء الأفهام للشيخ ابن القيم عليه سحائب رحمة الرب المنان.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على نبيّنا محمّد، سيّد الأشراف، وإمام أهل البيت ذوي الألطاف، وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار خير مَنْ عَبَدَ الله سبحانه واتقى وخاف.