2013/08/19

السؤال:

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته، أطال الله في عمرك يا شيخنا ووفقكم في هذا الموقع المبارك، يا شيخي العزيز ما هو الفرق بين صلاة الليل وصلاة التهجد؟

 

وشكرا،

الاسم: محمد شيد

 

الرد: 

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وبارك الله عزّ وجلّ فيك على طيب دعواتك ولك بمثلها.

إنْ كان المقصود من السؤال الصلاة ذاتها فلا فرق بين التسميتين إذ أنَّ صلاة التهجد هي صلاة الليل، كما لو قلت صلاة الفجر أو صلاة الصبح.

أمّا إنْ كان المقصود من السؤال الفرق بين قيام الليل وصلاة التهجد فصلاة التهجد جزء من قيام الليل ذلك أنَّ قيام الليل يشمل جميع أنواع الصلوات المستحبة بعد صلاة المغرب فعَنْ سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه فِي هَذِهِ الآيَةِ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: (كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: قِيَامُ اللَّيْلِ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وكذا صلاة الوتر، وصلاة التراويح، وصلاة التوبة، وصلاة التهجد، سواء كانت هذه الصلوات مسبوقة بنوم أو ليست مسبوقة، وقد جاء في كتاب مراقي الفلاح (ومعنى القيام أنْ يكون مشتغلا معظم الليل بطاعة وقيل بساعة منه يقرأ أو يسمع القرآن أو الحديث أو يسبح أو يصلي على النّبي صلى الله عليه وسلم).

أمّا صلاة التهجد فهي الصلاة المستحبة في الثلث الأخير من الليل قبيل صلاة الفجر بعد النوم، حيث يقوم المصلي من النوم ويهجر الفراش ويتطهر ويقف بين يدي الله سبحانه وتعالى قانتا وراغبا، فهي صلاة الليل خاصة وقيّدها بعض العلماء رحمهم الله تعالى أنْ تكون بعد نوم، قال الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه (يحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنّه قد تهجد، إنّما التهجد أنْ يصلي الصلاة بعد رقدة، ثمَّ الصلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

ولا شكّ أنَّ جميع أنواع القيام يتحقق فيها الأجر والثواب إلا أنَّ الأفضل والأعظم هو صلاة التهجد بعد النوم لما فيها من مجاهدة النفس ومغالبة النوم وإيثار حبّ الله تبارك وتعالى والتقرب إليه على ما سواه، والانتصار بذلك على هوى النفس وشهوات الجسد، وقد أمر الله عزّ وجلّ حبيبه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بها فقال سبحانه {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء/ 79]. جاء في تفسير التحرير والتنوير (فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس، وإنما كان المسلمون يقتدون بفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرّهم على ذلك فكانوا يرونه لِزاماً عليهم، وقد أثنى الله عليهم بذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى{تتجافى جنوبُهم عن المضاجع}[السجدة : 16]، وسيأتي ذلك عند قوله تعالى {إنّ ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل}[المزمل:20] الآية، قالت عائشة: «إنّ الله افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة فقام النبيّ وأصحابه»، على أنه لا خلاف في رفع فرض القيام عن المسلمين، وتقرر أنه مندوب فيه، واختلف في استمرار وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم ولا طائل وراء الاستدلال على ذلك أو عدمه) انتهى.

والأحاديث النبوية الشريفة في فضل ذلك كثيرة منها قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ…الحديث) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (مَنْ خَافَ أَنْ لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ورحم الله سبحانه وتعالى القائل:

نسيم الوصل هبّ على النداما             فأسكرهم وما شربوا مدامـــــا

ومالت منهم الأعناق ميــــــلا             لأنّ قلوبـــهم مُلــئـت غرامـــا

ولما شاهدوا الساقي تجلـــــى             وأيقظ في الدجي مَن كان نامـا

وناداهم عبادي لا تنـــــامـــوا            ينال الوصل مَن هجر المنامــا

ينال السرّ مَن هجر الليالــــي             على الأقدام واستحلى القيامـــا

وما مقصودهم جنات عــــدن             ولا الحور الحسان ولا الخياما

سوى نظر الجليل وذا منـاهم             وهذا مقصـد القوم الكـرامـــــا

وتلك القبة الخضراء فيهـــــا              محمد نـــوره يجلـــي الظلامـا

وللمختار مع آل وصحـــــب              صلاة الله بِــدءً واختتـامــــــــا

والله تبارك وتعالى أعلم.