2013/08/24
السؤال:
السلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
شيخي الكريم حفظك الله ووفقك وأطال في عمرك ورزقك الفردوس.
شيخي العزيز لماذا يوجد وقت بين الأذان والإقامة إذا صلاة الفجر نصليها بعد الأذان بـ ٣٠ دقيقة والمغرب بـ ٥ دقائق والظهر والعصر والعشاء ١٠ دقائق وأحيانا نصلي العصر أو العشاء بعد الأذان بـ ١٥ دقيقة، ما هي الحكمة في هذا التأخير ولماذا الأوقات مختلفة؟ وشكرا.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله سبحانه وتعالى خيرا على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.
لا حدّ للمدة التي تكون بين الأذان والإقامة، لكنْ ممكن أنْ نتلمس بعض الضوابط في ذلك:
الأوّل: ما ورد عن حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنّهَ قال لسيّدنا بلال رضي الله تعالى عنه (يا بلال إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدِرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكَلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، ولا تقوموا حتى تروني) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وفي رواية (يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ نَفَسًا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ، وَيَقْضِي الْمُتَوَضِّئُ حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله جلّ ثناؤه (والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة، وكراهة الموالاة بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها؛ لأن من كان على طعامه، أو غير متوضئ حال النداء؛ إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل، لاسيما إذا كان مسكنه بعيداً من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البرّ والتقوى المندوب إليها).
الثاني: أن تقديم الصلاة في أوّل وقتها أفضل، فعن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال (سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أيّ؟ قال: ثمّ بِرُّ الوالِدَين، قال: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سَبِيلِ الله، قال: حدثني بهنّ ولو استزدتُه لزادَنِي) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
الثالث: ما ورد عن سيّدنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنَّ حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه سلم (كان إذَا رَآهُمْ قد اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ قد أَبْطَئُوا أَخَّرَ) أي في صلاة العشاء الإمام مسلم رحمه الله جل اسمه، فهذا يدلّ على أَّنَّ الأمر منوط بالإمام.
لكنْ في صلاة الفجر يراعي الإمام الوقت الكافي للاستيقاظ والوضوء والغسل ولبس الثياب ونحو ذلك.
وأمّا بالنسبة لصلاة المغرب ففي حديث سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال (كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَيْءٌ) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه وتعالى، وقوله (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) أي لم يكن بينهما شيءٌ كثيرٌ، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله جل وعلا وعن سيدنا رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رضي الله عزّ وجلّ عنه قال (كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ اسمه.
قال الإمام النووي عليه رحمة الرحيم الرحمن جلّ جلاله (مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُبَكِّر بِهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا بِمُجَرَّدِ غُرُوب الشَّمْس، حَتَّى نَنْصَرِف وَيَرْمِي أَحَدنَا النَّبْل عَنْ قَوْسه وَيُبْصِر موقعه لِبَقَاءِ الضَّوْء وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِب تُعَجَّل عَقِب غُرُوب الشَّمْس وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ).
وبهذا تبين أنَّ الفاصل الزمني بين الأذان والإقامة مشروع وثابت بالسنة النبوية، وتعيين مقداره راجع لإمام المسجد الذي يقدر مصلحة المصلين بالتشاور معهم، بما يمكنهم مِنَ الاستعداد لصلاة الجماعة مع مراعاة الوقت المستحب لأداء الصلاة وحضور واجتماع الناس وتمكّن المصلّين مِنْ أداء السنّة التي قبل الصلاة وغير ذلك مما هو مِنْ مصلحة الصلاة، وهذا يختلف باختلاف مواقع المساجد،فإنْ كان المسجد في مكان يجتمع فيه الناس سريعاً أو كان ضمن سوق تجاري فإنَّه يُعجل في ذلك، وإنْ كان في حي تعارف أهله على التأخيرأخَّرَالإقامة، كما ويختلف باختلاف الصلوات كما ذكرنا أعلاه وصلى الله تبارك اسمه على الرحمة المهداة سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه.
والله سبحانه تعالى أعلم.