2013/08/29
السؤال:
السلام عليكم سيدي الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله ورعاكم ورحمة الله وبركاته سيدي كثيرا ما نرى الخطباء والدعاة يدعون على الحاكم المسلم الظالم بالهلاك ومن عاونه دعاء لا هوادة فيه فهل يجب هذا الدعاء أم يجوز أن ندعو لهم بالهداية؟ وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل الله جلّ وعلا أنْ يحفظك وجميع المسلمين ويكرمكم بما هو أهله إنه سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل المغفرة.
الأصل في شريعة الإسلام أن يكون الحاكم عادلا يقوم على ما فيه صلاح حال العباد والبلاد ، قال تعالى {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [سورة ص / 26]، وقال تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [سورة الحج /41].
ولقد ذمّ الله تعالى الظالمين في محكم كتابه العزيز، ونهى عن موالاتهم والركون إليهم، وبين أن ظلمهم هو سبب هلاكهم وعذابهم في الدنيا والآخرة، وذلك في آيات عدة منها:
قوله جلّ وعلا {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [سورة سيدنا إبراهيم عليه السلام /42].
وقوله سبحانه {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [سورة سيدنا هود عليه السلام /113].
وقوله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [سورة سيدنا يونس عليه السلام /13].
والدعاء على الظالم مباح على نحو عام؛ ولقد دعا النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم على الوِلاة المنحرفين عن شريعة الإسلام وقواعده السمحة فقال (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ووصف عليه أفضل صلاة وأزكى سلام حال الأمّة مع أئمتها بقوله (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ومعنى الصلاة في الحديث الشريف هو الدعاء، وحريّ بالمسلم أنْ ينشغل بنفسه وبمَنْ يعول من أسرته ويسعى إلى إصلاح حاله وحالهم مع الله تعالى فمِنْ سُنن الحق تعالى قوله الكريم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد/ من الآية 11]، وقول الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (كما تكونون يولى أو يؤمر عليكم) الإمام القضاعي رحمه الله تعالى، ولقد سُئل سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه (يا أمير المؤمنين استخلف علينا، فقال: أترككم كما تَرَكَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: يا رسول الله استخلف علينا، فقال: إنْ يعلم الله فيكم خيرا يولّ عليكم خياركم، قال عليّ: فعلم الله فينا خيرا فولّى علينا أبا بكر رضي الله عنه) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.
بل من العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم منْ قال بالدعاء للحُكام بدلا من الدعاء عليهم لأنّ في صلاحهم خيرا عظيما يعمّ العباد والبلاد، (وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ – كالفضيل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا – يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ) مجموع الفتاوى.
وعليه فينبغي للمسلم أنْ لا ينشغل كثيرا بالحُكام وسياساتهم خصوصا في زمن الفتن، وأنْ ينشغل بما يستطيع منْ صلاح نفسه وأهله؛ فصلاح الأفراد صلاح الأمّة والحاكم أحد أبنائها، وعلينا أن نُكثر من الذكر والاستغفار والدعاء عسى الله تعالى أنْ يرحم الأمّة ويرفع عنها البلاء وهو جدير بذلك والقادر عليه، كما أننا ومِنْ هذا المنبر المبارك ندعو كل مَنْ يتولى أمور المسلمين في أي مكان أنْ يرفق بالناس جميعا ويتق الله تعالى بهم وأنْ يجتنب ظلمهم ويسعى لخدمتهم، وليتعظ بما ذكرنا من الآيات والأحاديث، وبالأحوال التي مرّت عليهم وعلى من سبقوهم، قال تعالى {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام/44-47].
وإنّ من الشعر لحكمة، فما أجمل قول القائل:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالـنـــدم
تنام عينك والمظلوم منـتـبـه يدعو عليك وعينُ الله لم تنم
وفيما ذكرنا عبرة لمَنْ يعتبر.
والله تعالى أعلم.